مرحبا رمضان .
مقال المشرف
مرحبا رمضان .








ها قد أطل رمضان، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } . نسأل الله تعالى أن يبلغنا جميعا صيامه وقيامه، وأن يتقبل ذلك كله منا .. إنه سميع مجيب.

وإني لأهنئكم كما أهنئ نفسي وجميع أحبابي المسلمين بهذه المنة العظيمة؛ ففي الحديث الصحيح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم : ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم))، وفي رواية ينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

وفي حديث آخر: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم)).
ويقول صلى الله عليه وسلم : ((إن لله تبارك وتعالى عتقاء (يعني من النار) في كل يوم وليلة (يعني في رمضان، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة)).
وقد امتن الله علينا بفرضية الصوم فيه، فقال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما إلى حضور المنبر، فلما حضروا ارتقى درجة فقال آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال آمين، فلما نزل قال الصحابة رضوان الله عليهم : لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه، قال إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت آمين ، فلما رقيت الثانية قال بعد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك، فقلت آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين، رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد.

رمضان شهر البركات، نهاره صيام، وليه قيام، والمؤمن فيه دائم التعلق بالله، قد خفف عن قلبه أثقال الأرض، وتبعات الدنيا، وألجم الصوم شهواته ونزواته، وتعلق بالمسجد، فإذا دخله لم يرد الخروج منه إلا لحاجاته، وإذا خرج فإن قلبه يبقى معلقا به.
وما أجل هذا الوصف الندي الذي ارتبط بك ـ أخي المسلم ـ في الشهر الكريم ( الصائم ) ، بكل ما تحمل هذه الكلمة من أحاسيس وإيحاءات.
صائم : طاعة لله تعالى ، وليس رياء ولا سمعة، فما أبعد الصوم عن الرياء، ألم يقل المولى جل وعلا في الحديث القدسي: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) رواه الشيخان وغيرهما.

صائم : تعبدا لله تعالى ، وأي عز أعظم من ذلك :

ومما زادني شـرفا وتيهـا *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيا

صائم : تستشعر بها أنك داخل في عبادة تستمر ساعات طوالا ، لا تعيقك عن نشاط ، ولا تمنعك من راحة ، بل تضفي على جوارحك خشوعا ، وعلى شخصك وقارا، وعلى فؤادك راحة كم كنت تنشدها ، وأنت تشق بحر الحياة المتلاطم .

الصيام مدرسة روحية لتهذيب النفس ، وتوجيه السلوك ، وتدريب الجسد والروح على العزائم، لا يكون ذلك بقوة الأمر والنهي، ولكن بالحب والطاعة المختارة ، بل بالشوق الذي لا حدود له ، فقبل أن يفد الشهر الكريم بأشهر ، تتطلع النفوس المؤمنة بلهف شديد إلى هلال رمضان ، فإذا هل بالبركة والأمان تبادل المسلمون التهاني بينهم ، وكأن العيد قد حل قبل أوانه ، فيا طيب روائح تلك التباريك الفرحة وهي تعطر الأفواه الصائمة ، والمجالس العامرة ، مصحوبة بابتسامة الرضا والقبول والتسليم .

عندها ترسخ في نفس المسلم عزيمة ثابتة لا يتطرق إليها أدنى تردد: أن تستقيم على هدي الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم في كل شؤون هذه العبادة، مهما تعارضت مع الهوى الشخصي، والرغبة الخاصة، وهذا هو ميدان ترويض مهرة النفس الشموس، على خلق الإرادة، وتحقيق المراد دون ضعف أو تخاذل، وهو درس لا تقتصر حاجتنا إليه في رمضان فقط، بل في جميع لحظات حياتنا حتى نلقى ربنا تعالى.
فما أحوجنا إلى الإرادة الراسخة حين تعرض علينا رشوة مغرية لإبطال حق أو إحقاق باطل، وما أحوجنا إلى الإرادة القوية حين ندعى إلى مجلس فحش، أو مصاحبة رفقة سوء، وما أحوجنا إلى وقفة شامخة حين تستذلنا إيماءة من شهوة دنيئة!!
وإذا كنا أعزة حقا في داخل نفوسنا، فلماذا نخجل من إعلان إرادتنا العليا تلك، وتأبيَنا على كل المراودات السلوكية الهابطة ، بصوت مسموع ؟!
لماذا لا نصرخ بكل شجاعة في وجه مفاتيح الشر :

لا .. لن نسمح لكم أن تقتربوا من سياج مروءاتنا ..
لا .. لن نسمح لأنفسنا أن تكون فرائس سهلة لأنيابكم الشرسة ..
لا .. لن نسمح لأعصابنا وبطوننا أن تستجرنا إلى الهاوية بعد أن أعلا الله قدرنا ..

إننا حين نرفض كل دعوة إلى انحراف، فإننا نرتفع بمستوى إنسانيتنا إلى السمو الذي أراده الله تعالى لها ، وهو ما نستشفه من قول الله تعالى:{الذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}. فتساوي القدر بين الإنسان والبهيمة في هذه الآية ليس لأنهما يشتركان في الحاجة إلى الطعام، ولكن لفقدان ضابط الإرادة عند الإنسان، فالكافر حين عرض عليه الإيمان اختار غيره، وحين عرض عليه ضبط سلوكه بما يصلح شأنه، وليس غير خالقه يقدر أن يختار له، {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}، ولكنه أبى إلا أن يكون كالبهيمة لا حدود لحرية إرادته.
فلله الحمد كله أن جعلنا مسلمين ، وله الحمد حين من علينا أن نثني ركبنا بين يدي رمضان نتعلم منه شيئا مما يعيننا على كسب إرادة تحررنا من قيود شهواتنا ، مختارين حامدين شاكرين .

ونسأله أن يبلغنا شهرا (( من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه )).
وكما أن أهل التقى والصلاح يتأهبون لشهر رمضان المبارك، فإن أهل الفساد والإفساد يستعدون له بكل إمكاناتهم، بل إنهم يستعدون له منذ أن ينقضي للشهر التالي في العام الذي يليه.

وها أنت ذا ترى كيف تقترن في الصحف والمجلات وغيرها العروض التجارية التي تستغل هذا الشهر الكريم لترويج بضائعها، بالعروض التلفازية التي تفصل فيما سوف تقوم بتقديمه عبر فضائياتها المدمرة عربيها وأجنبيها على السواء، وهي عروض تشي بعمق الدراسة لبعض الشرائح في مجتمعات العرب والمسلمين، فتحاول أن تقدم كل ما يصل بسرعة إلى التأثير على سلوك الفرد والمجتمع؛ حتى تستطيع أن تؤثر فيه، فتزلزل عقيدته، وتهز أفكاره، وتغير سلوكه، وتلهيه عن طاعة ربه في موسم عبادة عظيمة، هو في أمس الحاجة إلى نفحاتها؛ ليغسل صحائف لطخها بسواد المعاصي والذنوب طوال العام، وكلنا ذوو خطأ، وكلنا أصحاب ذنوب.

أيها الأحبة ليس عجبي من قوم ضلوا عن طريق الحق ، ووقفوا حياتهم على إضلال الخلق، وصدهم عن سبيل الله وصراطه المستقيم، فذلك شأن الشيطان وحزبه، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، ولكن عجبي من أولياء الأمور في البيوت المسلمة، الآباء والأمهات ومن ينوب منابهم، كيف يحاولون أن يقفوا سدا منيعا أمام بوابات المرض والرسوب والجوع والعري أن تفتح على بيوتهم، ولكنهم يفتحون أبواب المنكر والبغي والفجور على أولادهم، ناسين أو متناسين أن صلاح الدين أولى من صلاح الدنيا، وأن فساد الخلق والدين نتيجته عقوق الوالدين، وفشل الأولاد، وتعلق بالمخدرات والأفلام والأغاني والمنكرات، وضياع أي ضياع للدين والدنيا معا.
أين وقفة الآباء الراشدين مع أولادهم مع إطلالة رمضان، يعلمونهم فضله، ويدخلون عليهم السرور بحلول وقته، ويشرحون لهم ما أعده الله للصائمين فيه.

أليس جديرا بنا ـ كما نهرول للمحلات التجارية لنشتري ما نحتاجه من المواد الغذائية وما لا نحتاجه لإفطارنا ـ أن نعد برنامجا يوميا لأولادنا وزوجاتنا، بل لآبائنا وأمهاتنا إذا كانوا في بيوتنا، يشتمل على قراءة القرآن الكريم، وتدبر معانيه، وقراءة في بعض الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية العطرة، كما يشمل زيارة الأرحام، والتنزهات اليسيرة التي لا تخلو من ذكر الله، وتذكير بالطاعات والنوافل.
أليس جديرا بنا أن نتابع حضورهم للصلوات في المساجد، بدل أن يجلس الكبار في المسجد يمسكون بالمصاحف، وأولادهم تحت بطانياتهم قد فاتتهم الصلوات تلو الصلوات.
أليس مريرا أن يتخلى الأب عن أمانته ومسؤوليته تجاه أولاده، وخصوصا في هذا الموسم الكريم، فنراه يهرب من بيته إلى أصحابه في الديوانيات المشبوهة، والاستراحات المليئة بما يغضب الله، بعد أن يكون قد وضع الحطب على النار، حيث يلقي زوجته في السوق، ويسلم أولاده وبناته بين يدي القنوات الفضائية، تنهشهم الشهوات المغرية، والفتن المضلة، ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).

رمضان مدرسة للتعلم والتعليم، رمضان فرصة للتوبة والإنابة، رمضان محطة للتزود بالطاعة والنوافل في زحمة غفلات الحياة في سائر العام، رمضان خلوة مع الخالق، وبعد عن بهارج الحياة.
شعارات نتمنى أن نرفعها في وجوه المفسدين، الذين أعدوا العدة لحربنا في شهرنا المبارك بكل فتنتهم ومكرهم عبر شاشات تربعت في أعز مكان في بيوتنا، جلبناها نحن بأيدينا. اللهم نعوذ بك أن نكون ممن ((يخربون بيوتهم بأيديهم)).

فلنعظم الله في نفوسنا، ولنكرم ضيفنا الذي يطرق الأبواب بالطاعات، والبعد عن المعاصي مهما كانت حبيبة لنا، عسى الله أن يعمنا بعظيم رحمته وواسع مغفرته وجميل حلمه ، إنه جواد كريم .





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات