فضائيات الشعوذة .
مقال المشرف
فضائيات الشعوذة .





ما تزال التقنية تقذف لنا بمزيد من الإنجاز البشري المذهل، الذي من شأنه أن يجعل الحياة أكثر روعة وجمالا، وأكثر حيوية وازدهارا.
ولكن الإنسان ظلوم لنفسه، كفار لنعم الله تعالى عليه؛ فسرعان ما يحول النعمة نقمة، والإنجاز دمارا.

حينما أطلت الفضائيات العالمية علينا من قبة السماء، خاف المصلحون، واندلعت النار في قلوب الغيورين، ورحب الغافلون، وظنوا بمن توجس الظنون.
كان هؤلاء واعين لما تخبئه العدسات وراء الأكمة، وليسوا رافضين للعلم ومنجزاته، ولا لتبادل الثقافة حينما تكون ثقافة بانية، وكان أولئك مندفعين لأي جديد، واثقين ـ أكثر من الواقع ـ في واقع أجهزة الاستقبال في قلوبهم.

حتى انكشف الغطاء لذي عينين، وتبدت المأساة في أسمالها النتنة، فصارت معظم الفضائيات الأجنبية والعربية سوقا للمنكرات، ومرتادا للفجور، ومعرضا للأجساد العارية، ومنجما لفحم العفن الفني الرخيص، الذي زرع الفتنة في صدور الغافلات، وحرك أعصاب الشهوة في صدور الشباب والشابات. حتى صرنا نسمع عن زنا المحارم، وانتشار الخمور، وفتنة الشذوذ في الجنسين، والتحرش الجنسي بالأطفال، وارتكاب الحرام حتى بين الزوجين، وما كانت ـ قبل ـ سوى حكايات نادرة، تذكر على سبيل الشذوذ عن القاعدة، وكلما سئل الواقعون في الفخاخ عن الأسباب، ذكروا فلما أو مشهدا أو دعوة مبطنة في شاشة صغيرة تحمل، أو شاشة كبيرة تنتصب لها الأفئدة قبل القلوب.

وأخيرا، جاءت فتنة السحر والشعوذة عبر القنوات، أي أن ما كان ضعاف النفوس والإيمان يرحلون إليه بآلاف الريالات، إلى أقصى البلدان؛ ليبيعوا لهم جزءا من إيمانهم ودينهم، أصبحوا يتلقونه في بيوتهم كما يتلقون الدعارة والمجون.
إذا ضعف الوازع الديني في القلوب وقعت الجوارح في المعاصي، فسمعت ما حرم الله عليها أن تسمعه، ورأت ما أمرها الله أن تغض بصرها عنه، وفعلت من الفواحش ما طهرها الله منه، ولكن هل يبلغ الأمر أن تتنازل عن معتقدات عليها ينعقد الإيمان، ويكتمل التوحيد؟

هل كنا نتوقع أن يُحتفى بالسحرة فيستضافون على الشاشات وكأنهم نجوم العلم، وأقمار الهداية، ثم يوصلون بالناس ليفتوا لهم، ويحددوا لهم اتجاهاتهم، ويتحدثوا عن مستقبلهم.
كيف وهم المحاربون في كل بلد، الذين يحيون ـ أبدا ـ في الجحور كالفئران، لا يظهرون للناس خوفا وطمعا، بل يندسون بين الجبال النائية، وفي صوامع البيوت المهترئة، بعيدا عن الأعين الرقيبة، يحيون حياة الخائفين، ويعيشون عيشة المجرمين.
كيف عزوا بعد هوان، ورفعوا رؤوسهم أمام الملأ بل أمام العالم أجمع، بعد أن كانوا يدسونها في التراب توجسا وريبة.

أليسوا في نظر علماء الشريعة مجرمين، وفي نظر العلمانيين مخرفين؟
فمن الذي يشجعهم ويرعاهم، ويدفع لهم ويستثمر أذاهم؟
وكيف لمسلم أن يطلب العون من ساحر كافر، أو كاهن دجال، يسأله عن رزقه وأجله، وعن مستقبله وأهله، والكاهن يجيبه وهو يقر ويعترف بكل وضوح بأنه إنما عرف تلك المعلومات عن طريق "خدامه" (شياطينه) من الجن الذين اتصلوا بقرين صاحب الاتصال فعلموا منه كل شيء! فما بال القوم لا يفقهون في أي شيء يخوضون؟!!

وربما سمى المشعوذ نفسه شيخا، وربما أمسك بمسبحة وتوشح بعباءة، وربما أسمع الناس بعض آيات لا يكاد يتم منها آيتين بغير لحن أو تحريف، وربما نصحهم بقراءة سورة، وبنقع كتابتها في ماء. وربما كشف ورقته بكتابة طلاسم يمليها للتحجب بها، كل ذلك والقوم يتصورون أنه شيخ يعالج بالقرآن.

إن الخطر في تلك القنوات أنها لا تقف عند السحر والكهانة، ولا مجرد شهوة ربما تزول، أو شبهة تفند، وإنما القضية قضية تسخير للشياطين وتسليط لهم على رقاب الناس بالسحر والكهانة و"الوكالة" ونحو ذلك!!
نعم إن تأثير قنوات السحر أخطر من المشعوذين الذين يعملون بشكل فردي في السر؛ وهم في خوف من رجال الأمن وتقصدهم أعداد معينة من الناس، فإن "المذيعين" من السحرة يدخلون كل بيت ويشاهدهم الملايين ويستقبلون اتصالات بأضعاف مضاعفة من العدد الذي كانوا يحققونه في أوكارهم المظلمة.

وقد حذر باحث من سيطرة هذا التوجه على فكر عدد كبير من شرائح المجتمع على اختلاف فئاتهم، وقال إن "الارتباط بالمعتقد الخرافي وسيطرة الهواجس والوساوس على الناس تحولهم إلى عبيد لهؤلاء الدجالين فلا يجد بعدها المرء سبيلا إلا سلك هذه الطريق والبحث عن إجابة شافية لدائه في مجال الخرافات والشعوذة. ويرى الباحث أن تدخل المشعوذين في الحياة الحميمية للناس كحل مشكلات العنوسة والعقم ونفور الزوج وعقوق الأطفال يزيد من خطورتهم على المجتمع، خاصة حينما تكون الأحلام أكبر من الإمكانات.




تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

رد



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات