تمرد الأحباب !
مقال المشرف
تمرد الأحباب !


استطاعت لغة الأخبار اليومية التي اعتادت أن تزعجنا أكثر مما تفرحنا، أن تغير حتى من تعبيراتنا عن المعاني العامة التي تدور في حياتنا، فإنني حين أردت أن أعنون مقالتي هذه ، إذا بلفظ ( التمرد ) يقفز أمامي ويتمدد في أفقي كي لا يمنحني الفرصة أن أتخير ألطف منه، لا سيما والحديث لقطة منزلية ، كان يجب أن تكون ناضحة بالرقة والحنان .

عدد كبير من الآباء والأمهات يشتكون من فلذات أكبادهم شكوى مريرة ، تتمعر فيها وجوه الرجال ، وتذرف لها عيون النساء ، والحيرة واليأس والتسليم المر والرعب من المستقبل نتائج مخيفة أصبحت تسيطر على نفوس هؤلاء الأولياء الأشقياء بثمرات نفوسهم .

- لم أعد أشعر بالسيطرة على أولادي .
- أصبح القرار النهائي في يد ابنتي وهي لا تزال في سن المراهقة .
- ابني يرد علي بكل تبجح ، ويتهمني بعدم المعرفة بالواقع المتطور .
- أولادي لا يريدون المذاكرة ، ولا يصغون لأية نصيحة مني أو من أمهم .
- أصبح ابني في بيتي كالغريب المقيم في شقة مفروشة .
- أتلفت في حاجاتي فلا أجد من يعينني من أبنائي .. فأتحسر على حالي .
- لقد عجزت عن إقناع ابني بالصلاة في المسجد .
- الرفقة السيئة تلتف على قلب ولدي كالحية ، وليس في يدي أي حل مجد.
- الأولاد يعيشون أكثر يومهم مع الإنترنت بكل تفاهاته ، وليس بثقافاته ، أو مع مهاترات الفضائيات .. والفاتورة تعدت حاجز الألف .
- أحس بأنني بعيد عن كل واحد منهم ، وأحس ببعد كل واحد منهم عني.

كل أب أو أم يرفع دعوى التمرد هذه ، ويعدد صوره الممضة ، ويكثر من التشكي،دون محاولة للبحث عن الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة المدمرة لبنية الأسرة.
إنها قضية هائلة لا يمكن لمقالة ـ كهذه ـ أن تضع حلا جذريا لها ، فالأمر يمس أهم العلاقات في دنيا الإنسان ، والتي تؤثر سلبا أو إيجابا على سلامة المجتمع تأثيرا مباشرا ، فالإنسان المرجو لبناء مجتمعه وأمته هو ذلك الإنسان السوي نفسيا قبل أن يكون سويا في عقله وجسده ، وهذه الثمرة لا يمكن قطفها إلا من منزل هادئ الأركان ، يتعايش أهله بكل حب وحنان ، ويتربى على الإيمان والاستقامة.

ولا شك أن من أبرز أسباب نشوء الشعور العدواني في نفس الإنسان حياته في جو صاخب ، مقطع العلاقات ، لا يشعر فيه بالأمن النفسي ، والراحة القلبية .
ولذلك فإني أرى أن جذور القضية تعود إلى التربية الأولى ، حيث يوجد خلل في التعامل مع الأولاد في طفولتهم ، تتسع فجوته كلما تقدم الزمن بهم جميعا .
فالدلال الزائد ، أو الغلظة والتسلط ، أو الانشغال التام من قبل أحد الطرفين عن الآخر ؛ كانشغال الوالدين بالعمل نهارا ، وبالزيارات والتسوق ليلا ، أو إشغال الأولاد بالألعاب ومشاهدة التلفاز بشكل دائم ، كل ذلك يؤدي إلى ضعف العلاقات بين الطرفين ، والتشرد النفسي داخل المنزل الواحد .

إلى جانب سبب مهم ، وهو حرص الآباء مع الأبناء ، والأمهات مع البنات على فصلهم منذ الصغر عن جانب الخدمة العامة والخدمة المنزلية ، طلبا لراحتهم ، وتفريغا لهم لدراستهم ، مما يؤدي ذلك إلى ضعف خبراتهم في هذه الجوانب من جهة، وتعودهم على عدم خدمة والديهم وتقدير جهودهم من جهة أخرى .
ولعل أسوأ الأسباب سماح الوالدين أو أحدهما لأحد الأولاد بالتطاول عليهما باليد أو اللسان منذ الطفولة ، إذ يتعود الطفل على ذلك ، ولا يجد فيه غضاضة .

تلك أهم أسباب هذه الظاهرة التي في نطاق الأسرة ، أما الأسباب الخارجية فهي كثيرة ، ومن أبرزها التغير الاجتماعي المطرد ، الناشئ عن تأثيرات الثقافات الوافدة بوسائلها الهجومية المغرية ، والتي سمح الوالدان بدخولها إلى عقر دارهم .

والآن ما الحل أيها القارئ العزيز ؟






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات