الصلح يسبق الحكم في الأحساء .
مقال المشرف
الصلح يسبق الحكم في الأحساء .








جاءت مبادرة المحاكم الشرعية في الأحساء بافتتاح قسم الصلح مواكبة للتطور النوعي الذي تشهده الدوائر الحكومية بشكل عام، والذي تستهدفه وزارة العدل بشكل خاص من خلال برنامجها الشامل لتطوير محاكمها؛ للاستفادة من التقنيات الحديثة في تحسين الأداء.
تشهد الساحة الاجتماعية متغيرات سريعة، نالت كل جوانب الحياة، بل أثرت حتى على التصورات الفردية، ورؤيتها الخاصة للأمور. نتج عن ذلك تطور في الفهم لقضايا، وانفتاح يتنامى تناميا مختلف التوجهات في تحديد المواقف أو تجديدها لقضايا أخرى.

والتغيير سنة من سنن الله لا تتخلف، فالمجتمع المسلم اليوم غيره في العهود السابقة، من حيث المؤثرات الطارئة، والعلائق المستجدة، والارتباطات بالآخر.
وأكثر الجوانب حساسية وسرعة في التأثر هو الجانب الاجتماعي؛ فالرؤية التي كانت تحملها الفتاة عن الزواج اضطربت لدى شريحة من الفتيات حتى وجدنا منهن من تشكك في أهمية الزواج بالنسبة لها، وأنه ربما كان ضد الحرية المزعومة، ولأجل تعزيز هذا التصور المنحرف تحركت أعاصير أفلام ومسلسلات وأغاني فيديو كليب.
والتقاليد المحلية في الزواج لم يبق منها شيء إلا ما شاء الله، فقد توشحت بالصور التي تعرضها حفلات الأعراس على الشاشة الصغيرة.

والأهم من هذا ما تقوم به بعض تلك العروض الفنية من إشاعة أنواع من التأثير الاجتماعي السلبي في داخل البيوت؛ فلا تكاد مسلسلة اجتماعية تخلو من كلمة (طلقني)، (أنت لا دخل لك بي)، (أنا كيفي)، وصور مشحونة بالنفور والشحناء والخلاف المنزلي، والضرب على الوجه، لتبرمج اللغة والسلوك لدى المتلقيات والمتلقين؛ لنجد ذلك عيانا في السلوك الاجتماعي الواقعي دون وعي.
إن كثيرا جدا من حالات الطلاق في مجتمعنا تقع بأسباب تافهة، وأبرزها تدخل الأهل من أحد الجانبين في حياة الزوجين، أو التسرع في الحكم على الطرف الآخر بسوء ظن؛ لأن المشاحنة لا تدع مجالا للتبين، وكثيرا ما تخلو من حكيم مسموع الكلمة، فتصل إلى القاضي؛ ليبت فيها، وكان من الممكن تدخل مصلح يقوم بدور الوساطة المتوسطة المرضيَّة من الطرفين، وهو ما يتمناه الطرفان بالطبع، ولكنهما لم يجدا هذه الفرصة.

محكمة الأحساء ممثلة في رئيسها فضيلة الشيخ سامي بن فهد الحادي رعاه الله أوجدت قسما خاصا سمته (قسم الصلح)، يديره أحد المشايخ الفضلاء؛ الشيخ عبد الله الخطيب، وجعلت من مهمته الإنسانية الرائعة: محاولة الإصلاح في القضايا المالية المحدودة، والقضايا الأسرية، قبل أن يبرم القاضي فيها حكما قاطعا؛ مستهدفين عددا من الأهداف العليا؛ منها: حماية المجتمع من التفكك والقطيعة، والتي تسببها المشاحنات المالية والاجتماعية، ودعم قيم الفضيلة بإشاعة ثقافة الصفح والعفو، والتنازل من أجل جمع الكلمة، ورعاية صلة الأرحام، والوصول إلى حلول وسطية ترضي جميع الأطراف، إما إمساك بمعروف وتلك أمنية المصلحين، وإما تسريح (بإحسان)، وهي إنجاز في حد ذاته؛ فإن كثيرا من القضايا التي انتهت بالطلاق لا تزال تنز دما وصديدا؛ من قطيعة رحم، أو مشكلات في النفقة، أو في زيارة الأطفال للطرف الآخر.

والتجربة في بدايتها، وظننا في الله الكريم المنان، أنها ستنجح بإذن الله وعونه وفضله وتسديده، ولكنها بطبيعة الحال تحتاج إلى صمود، وتدرج، ، وتقويم مستمر، وتطوير.
كما أنها تتعاون وتتكامل مع برنامج إصلاح ذات البين الذي يقوم به مركز التنمية الأسرية التابع لجمعية البر بالأحساء منذ أكثر من عام، والذي تدل تجربته بنجاحها في أكثر من 70% من القضايا التي عرضت عليها ـ بفضل من الله ـ على جدوى هذا القسم، وأهميته البالغة في حفظ أمن المجتمع الأسري، بل أمن الوطن كله؛ فمن رحم الأسرة المستقرة المستقيمة : يخرج الإنسان الناضج، الناجح في حياته، السوي فـي تصوراته، المحب لدينه ولوطنه، الذي يشعر بأنه جزء من الوطن فلا يؤذيه بنـشر صور الإرهاب المتلبس بالدين أو بالمخدرات أو بالاعتداء على أعراض الآخرين أو ممتلكاتهم، بل يرعاه بقلبه، ويفديه بنفسه.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات