حينها .. رأت أمي وهلت دمعات أبي .
مقال المشرف
حينها .. رأت أمي وهلت دمعات أبي .



الحمد لله .. الله .. ما أجملها .. ما ألذها .. ما أعمقها .. ما أحوجنا إليها.. لم نحس بها من قبل كما أحسسنا بها يوم ذاك .. بل تلك الليلة الرهيبة .. التي انقطعت فيها أسباب العباد .. وتعلقت قلوبنا برب العباد .. وحده لا شربك له.

الظلام يفرض نفوذه على الأرض والسماوات والجبال .. والحية الملتوية المتعرجة في طريق الهدا تغري المغامرين، وتلوِّحُ بالمتهورين، تاهت من أعيننا نهايات الدروب، لم يبق أمامنا سوى نور يركض أمامنا من الفزع، ونحن نركض خلفه، حذر، وتوجس، وإقدام يدفع المركبة الجديدة للسير الثابت المتوازن قدر المستطاع.

تعالى صوت الأذكار، ليس هنا إلا مسبح ومهلل، خنس الشيطان، أحسسنا أننا على أكتاف الجبال الصماء، وبين عروق الوديان الدهماء، كومضة نور في شريان شهاب.
مرت الدقائق مخطوفة من عمر الزمن، كنا نتوقع طولها لتوترها، ولكن جلالة الموقف، وهيبة الكون المطرق بين يدي الله تعالى .. وأننا كنا نعيش مع الله حبا ورجاء ودعاء وذكرا لا يتوقف .. أصبحت الثواني مكتنزة بالسعادة التي تعجز المعايير الأرضية عن قياسها.

وأخيرا أطل علينا (الكرُّ) بمركباته المعلقة .. هتف الجميع .. وصلنا .. الحمد لله. كان قرار الدخول في معمعة الهدا متنازعا عليه، ولم يرض بعضنا، فأنست نشوة الوصول السالم أصحاب هذا الرأي أمرا في غاية الدقة والخطورة .. أن الله تعالى الذي رحلت إليه أرواحنا تناجيه قبل قليل ليسَلِّمَنا .. وقد سلَّمنا، ينبغي ألا نشعر لحظة أننا استغنينا عنه فيما بقي من الطريق الطويلة جدا .. ولذلك كانت المفاجأة تنتظرنا..

شعرنا لأول مرة منذ دخلنا الهدا بنسمات الهواء العليل تنعش أبداننا المضطربة، هاتفني أخي؛ ليطمئن علينا .. فقلت له: ما الذي أدراك أننا الآن فوق قمة في الطائف المأنوس تلعب برؤوسنا خمرة النسيم العليل .. فقال على الفور: لأنك تعرف أن أخاك يحب الفرح .. ويأنس بالجمال .. تضاحكنا سوية وأقفل الخط؛ ليفاجئنا الخط بنفق لا ترى طريقه بسبب التوائه، دخلنا بحذر مريب، فجأة صرخت: الله أكبر .. حادث في وسط النفق السريع لسيارة شابين تعطلت بسبب ضربة جانبية فسدت النفق. وجدنا أنفسنا ملتصقين وراء السيارة المنكوبة من الجهة اليسرى.. لم يكن ذلك اختيارا بشريا .. بل هكذا حدث الأمر .. أحسسنا أننا في نكبة حقيقية، وموقف لم نتوقع أن يحدث لنا. السيارات تدخل النفق بطريقة سريعة جدا؛ ظنا منها أن الطريق سالكة، فتفاجأ بالسيارتين الواقفتين، فيضطرب قائدها فيصطدم فورا بجدار النفق الأيمن، الذي رسمت عليه السيارات مئات الخطوط السوداء، والتي تشي بخطورته المسبقة دون أن يكون في شريانه جلطة كهذه التي زرعت فيه للتو.

الأجواء التي كنا عشناها في الهدا تتضاءل أمام هذا المشهد الدرامي، الذي يحدث عادة في أفلام هوليود وألاعيبها السينمائية، السيارة الأولى تهبط بسرعة تصطدم أمام أعيننا بالجدار ثم تنفذ من خلل بقية عرض النفق إلى أحد الجانبين .. الثانية الثالثة .. الرابعة .. ونحن مشدوهون في الوهلة الأولى نراقب المأساة وليس لنا إزاءها حول ولا طول .. بدأنا نعود إلى رشدنا .. لا بل بعضنا فقط .. فزوجتي .. ظلت مذهولة عما يحدث لنا وسبحت مع الله تناجيه .. أما أنا فصرت أصرخ بالشابين أن اذهبا فورا إلى ثغر النفق لتوقفا الضحايا.. والضربات متوالية .. وأحد أولادي في نهاية السيارة الخائفة يترقب ضربة في زاوية سيارتنا .. فبدأ يستفز أعصاب الجميع للاستعداد لذلك .. وإخوتي يطلبون من أبي أن يصنع أي شيء لينفذ من نفق الموت بسرعة .. ابنتي بدأت تنتحب .. تذكرت جدتها وهي تنتظر لحظة وصولنا بعد غياب طال .. ماذا لو ؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... سوف ينقذنا الله .. لن يدعنا الله في هذا الموقف .. بدأنا نبتهل إلى الله أن يفرج عنا ما نحن فيه..

فجأة سيارة كبيرة شبيهة بسيارتنا .. دخلت النفق متأنية نوعا ما .. فأدرك صاحبها أن هناك مشكلة في النفق .. وخاصة أن أبي راح يرفع صوت منبه السيارة ليحذر القادمين قدر المستطاع .. توقفت السيارة القادمة قبيل سيارتنا والسيارة المصابة .. تكثفت بعدها السيارات مع صدمات متوالية .. تراجعت السيارة الشبيهة قليلا .. ليفسح لنا صاحبها الطريق فسح الله له في رزقه وأجله .. لننفد منه بنعمة من الله وفضل ..

وإذا العناية لاحظتك عيونها
لا يستذلك في الورى إنسان


إن كنت تصدق في يقينك لحظة
نم فالمخاوف كلهن أمان

وهناك وفي أقرب محطة نزل ثمانية شخوص مرعوبة تسجد للرحمن الذي أنقذهم بكرم منه ومنة .. هدأت النفوس .. وارتاحت القلوب .. وما إن سرنا .. قليلا حتى فاجأتنا أمي باتصالها الساعة الثانية ليلا .. لتطمئن علينا .. وفي أمواج صوتها هدير مكبوت .. حمله حلم رأته في الوقت الذي جرى فيه الحادث .. ترى فيه نفسها تسقط ثم تقوم لا يصيبها شيء .. وهناك في الأحساء قصصت هذا الحدث على أبي .. فهلت دمعاته .. وهي تحمل الشكر والحمد الذي حدثتكم عنه في مطلع هذا البوح .. فالحمد لله عدد كلِّ شيء خلقه في الدنيا والآخرة.





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات