الاستراحات بين جناحين !
مقال المشرف
الاستراحات بين جناحين !







( الاستراحات ) تلك المنتجعات الترويحية التي أعدت من قبل مستثمرين ؛ لتلبية حاجة ملحة لدى الناس ، ولا سيما بعد أن اشتدت وطأة متطلبات العصر على الإنسان ، فأصبح العمل المضني الرتيب ، وبرامج التعليم النظامية ـ إلى جانب معطياتها الضرورية للإنسان ـ تصيبه بكثير من السأم والنصب . مما يجعل الترويح مطلبا مهما ، يستحق الاهتمام ، وإقامة المؤسسات من أجله .

وقد كثرت الاستراحات في بلادنا في الفترة الأخيرة ، بعد أن فضل أكثر الناس عدم تملك المزارع ؛ كي يرتاح من عنائها غير المجدي اقتصاديا غالبا ، والاكتفاء باستئجارها لفترات قصيرة طلبا للمتعة والراحة . فكانت فرصة لملاك المزارع أن يلتفتوا إلى استثمارها من هذا الجانب ليغطوا جانب النقص ، فانتشرت بسرعة هائلة لافتة للنظر .
حقا إن هذه الاستراحات أصبحت فرصة لكثير من الأسر المحافظة كي تحصل على متعة الترويح في جو خاص لا تتعرض معه للمضايقات أو التداخل .

وأنها أصبحت لدى شريحة من رجال الوطن الواعين منتديات ترويحية ، تسعد فيها النفس بإلفها ، وتخرج عن أجواء المنزل المؤطر بالرتابة ، إلى جو خفيف الروح ، بعيد عن مجاملات المكاتب ، فيما لا تخلو تلك الجلسات من مطارحة ثقافية أو علمية ، تتسم بالموضوعية ، وتبعد عن الرسمية .
كما أصبحت فرصة لذوي الدخل المحدود في مناسباتهم للهروب من سطوة المبالغ الضخمة التي تتطلبها صالات الأعراس ، لأنها تكون ـ عادة ـ أقل تكلفة .
ولكنها في الوقت نفسه أصبحت محطة خارج حدود العادة لشريحة من شبابنا تبدأ باستقبال البث الفضائي (المفتوح) بعيدا عن الرقابة الخاصة والعامة ، وقد تنتهي بتصرفات سلوكية غير مضمونة الاتجاه .. ، تترك أثرها الخطير على مستقبل حياتهم دينا ودنيا ، وعلى مستقبل وطنهم ، حين تنمو أحاسيس الأنانية وحب الذات في قلوبهم ، فيصبح هم أحدهم لا يتعدى إشباع رغباته الدونية ، لا تمتد به نظرة إلى رفعة أمة ، ولا بناء مجد ، ولا تحقيق إنجاز .

وقد يكون من بين هؤلاء متزوجون ، هربوا من زوجاتهم وأولادهم ، وتركوهم يقضمون قضبان القهر ، ويحتسون دماء الهم والحزن ، ليس لهم منهم ـ إذا تمكنوا من رؤويتهم ـ سوى الكدر والضرب والإهانات المنوعة ، المطبوخة على نيران تلك الاستراحات الصاخبة . وللزوجة الصبور أكبر النصيب من التنقص والازدراء ، والطعن في أنوثتها وجمالها ، إلى جانب محاسبتها عن أي شيء ربما يحدث في المنزل من جراء إهمال ( الزوج المهيب ) .

إنها حقا قضية ذات جناحين : جناح حمامة وجناح غراب ، حاول أن يتغلغل في دهاليزها الملتوية ، وأن يخرج بنتائج موضوعية من خلال دراستها الأستاذ زكي بن صالح الحريول المعيد في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود في الأحساء ، في كتابه القيم ( الاستراحات الشبابية بين الواقع والتطلع ) ، وقد استطاع الكاتب ـ بجدارة ـ أن يحقق طموحه من هذه الدارسة ، الذي ذكره في خاتمتها بقوله : (( لم أعتمد على طرق إلهاب النفوس بإطلاق النداءات المستغيثة ، وتهييج الحماس المؤقت ؛ لأنني أرى أن أجواء ( الاستراحات الشبابية ) في عصرنا بحاجة إلى تحليل هادئ ، وتشخيص متزن ، ثم كتابة الوصفة العلاجية المضمونة بإذن الله )) .
وهي رسالة واضحة إلى كل المعنيين بتوجيه الشباب أن يتركوا تلك الأساليب التي وصفها إلى الهدوء في الطرح ، ومحاولة اجتذاب اهتمامهم ، ومطارحتم همومهم لعل القلوب أن تنفتح لما فيه فلاحها .

ومن أبرز ما جاء في هذا الكتاب : الاقتراحات البناءة التي دعا فيها الكاتب إلى إنشاء استراحات ومنتديات ذات صبغة شبابية ، تضع في حسابها تربية الشباب ، وتأهيلهم ، ورفع مستواهم العلمي والسلوكي إلى جانب الترويح الذي يعد فيها ركنا أساسا . نأمل أن تجد تلك المقترحات طريقها للحياة ؛ ليجد شبابنا البديل النقي ، ويسعد الوطن بهم أمناء على ثرواته ومستقبله .





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات