أصل العداوات .
مقال المشرف
أصل العداوات .




(( تعبت من هذا الإنسان )) ، انفجرت بين شفتيه ، وأطلق زفرة حارة كادت تحرقني.
فقلت : ولم َ؟
فأجاب : عجزت أن أرضيه ، فإني لم أزل أزف إليه سحائب معروفي تترا ، وهو يجبهني بجحوده لا يألو لذلك جهدا ، أبحث عما أثبت له به أني أكن له الود ، وأحب له الخير ، وأتمنى له السعادة ، وهو لا يلقي لذلك بالا .
أطرقت قليلا ثم قلت : هذا كله طبيعي .
التفت إلي مذهولا .. ثم قال : كأنك تؤيده على فعلته ، أو كأنك تخطئني وتصوبه ؟
فأجبت على الفور : أجل .. أنت مخطئ ، فليس كل الناس يستحقون منك الإحسان ، ألم تسمع قول الحكيم : ( أصل العداوات وضع المعروف في غير محله ) .
قال صاحبي ومسحة الحزن تتسع على محياه : أما هذه فأعترف لك بأني لا أجيدها ، فقد كنت أظن أن أحدنا يجب أن يكون كالغيث لا يسأل على أي أرض وقع .
فقلت : ألم تر أن الغيث إذا وقع على أرض طيبة نفع الله به ، فأنبت الزرع ، وأحيا الأرض ، أو حبس الماء لينتفع به الناس في مصالحهم ، أما إذا وقع على أرض سبخة فربما نقع فيها الماء فأصبحت مرتعا للأمراض .
قال : صدقت . ( والتهبت حدقتا عينيه ) .
فاسترسلتُ : وقد أعجبني بيت يقول :

كل العداوات قد ترجى شفاعتها
إلا عداوة من عاداك من حسد

قال صاحبي : ( وقد تكشفت له وجوه كانت ملثمة الوجنات عن بصيرته ) : والله لو أنك تعلم ما أهرقت عليه من أياد لأذهلك الأمر ، حتى ليصدق في وفيه قول أحد شعرائنا : (( ماجت بحارك من مائي ومن عرقي )) ، ولكنك اليوم كشفت لي حقيقة الأمر ، وإن الشعور الذي يمتلك أحاسيسي الآن هو الشفقة على الحساد ، فهم في هم جسيم ، وسمعة رديئة ، وشغل شاغل عن معالي الأمور ، وقد جبلني ربي على حب الخير للناس ، فأسأل الله لهم العافية ، ولي ولأمثالي منهم السلامة .

فقلت : صدقت ، فالحاسد لا يزال في غم وكدر ، يتعذب بكل نعمة يراها لمحسوده ، ويتألم بكل بلية تنصرف عنه ، ولكني أراك حريصا على إرضاء من لا يمكن إرضاءه البتة ، فالحاسد لا يرضيه إلا ذهاب نعمة المحسود . فلا سبيل إلى ذهاب عداوته إلا إذا شفي من مرض الحسد .
فقال : وهل يمكن أن يتخلص الحاسد من مرضه هذا ؟

فأجبت : نعم ، بتربية نفسه على الرضا بقسمة النعم الإلهية بين الناس : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) ، والحرص على سلامة القلب على الآخرين ، ثم بالعلم بأن الحسد ضار للحاسد لا محالة في دينه ودنياه ، وقد لا يضر المحسود أبدا بإذن الله .
ثم قلت له : اسمح لي أن أقول لك .. أنت تستحق الحسد .
فصاح بي ، وكأنني دعوت إليه زوبعة الكدر من جديد : ولماذا ؟
لأنك تتقلب في نعم الله ، وكل ذي نعمة محسود . ألم تسمع قول الشاعر :

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالقوم أعداء لـه وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها
حسدا وبغيا : إنه لدمـيم

وقد روي عن رسولنا صلى الله عليه وسلم حديث يقول : ( إن لنعم الله أعداء ) فقيل : ومن هم ؟ فقال : ( الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) .
هدأت أنفاسه ، ثم تتمتم يقول : عيني على كل حسود ومحسود .





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات