تربيتنا القديمة
مقال المشرف
تربيتنا القديمة






(القديم) و(الجديد) و(الحديث) مصطلحات نسبية، فكل قديم كان في عصره جديدا، وكل جديد أو حديث سيكون- إذا مرت به حقبة زمنية- قديما، ومن فرط أنانية هذا العصر أن علماءه ومؤرخيه صنفوا العصور السابقة بأنها قديمة، وألحقوا كلمة (الحديث) بعناوين أبحاثهم وموسوعاتهم التي يعنونون بها عصرهم، وكأن الأرض قد قضت عمرها المقدر لها من ربها، وكأن هذا الزمان لن يلحقه زمانٌ يُخلِقُ ثوبه، وينكث غزله، ويستثمر نتاجه!، ثم يقول إنسان الزمان القادم: (كان يا ما كان في قديم الزمان)، ولا يعني به سوى زماننا هذا الذي أطلقنا عليه (حديثا)، إلى أن يأذن الله- عز وجل- بيوم الفصل.

استثار هذه الفكرة طرحٌ لإحدى المختصات في التربية، حين سمت (التربية النبوية) أو (التربية الشرعية): (التربية القديمة)، ولا تقصد بهذا أن تقلل من شأنها، بل على العكس تماما، هي تريد أن تؤكد أصالتها، وأهمية العودة إليها، ولكن المصطلح خاطئ بلا ريب، لأن هذه التربية غير قابلة للتأطير الزمني، وإن كانت قد نشأت منذ قرون، فهي متجددة في كل لحظة.

إن ما نسميه اليوم (التربية الحديثة) ليس سوى تقعيد وتحرير لما توصل إليه العلماء والباحثون والخبراء في مجال التربية في عصرنا هذا، وهي مجموعة من الاجتهادات البشرية التي تنجح حينا فتخلد، ويثبت عدم دقتها أحيانا فتتلاشى خلف نظريات جديدة، وقد تكون المتغيرات المتلاحقة على الإنسان منذ طفولته إلى أن يغادر الحياة وراء ذلك الانحسار لبعض ما كنا نُقَعّده من إجراءات تربوية كنا نظنها ثابتة.

لكن الذي لا أشك فيه قيد لحظة، هو أن الحقائق التي يتوصل إليها العلماء- في أي فن- لا يمكن أن تتعارض مع حقائق الوحيين، إذ لا تعارض بين عقل ونقل.

ولذلك فإنني بعد ما يزيد على ربع قرن من الاهتمام الكثيف بقضايا التربية وأبحاثها أقول- بكل امتلاء- كلما قرأت بحثا جديدا أنتجته عقول الشرق أو الغرب بمهنية علمية، وجدت ما يؤيده من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، بل وفهم السلف الصالح، تلتمع كالنجوم الزاهرة في سماء ذهني، دون حاجة للي أعناق النصوص كما يقال، بل لدلالة ظاهرة أو مستنبطة، مصداقا لقول الله تعالى: «لعلمه الذين يستنبطونه منهم»، وليس معنى ذلك - أيضا - أننا نلاحق هذه المستجدات لتكون مرجعنا التربوي، فلدينا مرجعنا التربوي الذي أبهر الخلائق من شتى الديانات والمذاهب البشرية ولن ينضب أبدا، لن يخلق أبدا، ولن يتغير بتغير الزمان أبدا، ولكني أستفيد من تلك الأبحاث والمستجدات التي تتناسب مع المؤثرات الخارجية والبيئية، لاستكشاف مزيد من أعماق الإنسان ودواخله، وكيف تتأثر فطرته بها. كما تمتاز كثير من تلك الدراسات بالجانب الإجرائي المتناسب مع النسق الإنساني المعاصر وما حكمه من سياسات وأطر تعليمية واجتماعية واقتصادية وإعلامية ونحوها.

أما التربية التي يطلق عليها بعضنا مسمى (التربية القديمة) فهي تلك الحقبة الزمنية السابقة مباشرة لهذا العصر الذي نعيشه، تلك التي عاشها مجتمعنا بكل ما كان يحيط به من خوف وجوع وقلة ثقافة، حيث كانت العادات والتقاليد هي التي تحكم العلاقات الأسرية، ومنها: التربية الوالدية، فسادت ممارسات ليست من الدين في شيء كالقسوة والضرب المبرح واللوم والتقريع وتجاهل قدر الطفل، وعدم العناية بتنميته العلمية والإبداعية واستقلاله، مع وجود جوانب إيجابية كتربيته على المسؤولية والنضج الاجتماعي المبكر.

هذه التربية يمكن أن نسميها: (التربية التقليدية)؛ لأنها لم تتكئ على فقه شرعي، ولا علم إنساني.



http://www.alyaum.com/article/4190003



تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات