دعوها لتبوح لكم كما تريد
مقال المشرف
دعوها لتبوح لكم كما تريد





كثير من الحديث الصحفي عن المرأة في المجتمعات العربية يختلف تماما عن احتياجاتها الأهم، وأولياتها، وينحو منحى فكريا مؤدلجا، بحيث تكون هي محور الخلاف بين المتحاربين وليس المتحاورين، حيث يحاول كل تيار أن يجذب النار إلى قرصه، متذرعا بما يستطيع التأثير به في الجمهور العريض الذي فيه من يميل ذات اليمين، وفيه من يميل ذات الشمال، بعاطفته حينا؛ أيا كان منبعها وباعثها، وبهواه حينا آخر أيا كانت بغيته.

وغالبا تقف المرأة متفرجة أو متألمة لتجاهل حاجاتها الأساس، إلا من بعض الأقلام التي تقتحم المعركة؛ لتكون جزءا من أحد التوجهين اللذين انطلقا قبل أكثر من قرن بحكم الانفتاح على أديان وثقافات مختلفة، ويبدو أنهما لن يتوقفا.

المزعج للمرأة أنها لا تجد أثرا لقضاياها الأهم بين تلك السطور، فمن بنات جنسها من تعاني من تجاهل إنسانيتها في أسرتها؛ فهي تابعة خانعة، لا يُسمح لها بمشورة، ولا يُؤخذ رأيها في أكثر الأمور خصوصية بالنسبة لها، وقد ترغم على الزواج ممن لا تريد، وقد تُرغم على الخلع من زوجها، وقد تعضل عن الزواج بلا أسباب مقنعة، إنما هو التسلط والأثرة، وقد تُجبر على النفقة على من لا يجب عليها أن تنفق عليه، وقد تؤخذ منها أموالها قسرا، باسم الألفة الزواجية، أو الأبوة، أو قد تخدع فتورط في ديون وقروض من البنوك على راتبها، وقد تُضرب وتُحرم حتى من الشكوى؛ فتكذب وتقول: سقطت من الدرج، وضربني الباب!! وقد تُجبر فتحرم من إرثها من والديها، فتتنازل عن حقها كاملا مكرهة بالقوة المادية، أو بقوة الحياء، أو بقوة سلطة مجتمعها الصغير الذي اعتاد ذلك، وقد تحرم من استثمار أموالها.

وقد يضطرها الرجل للعمل وهو لا يعمل، فيحملها الجهدين؛ إدارة المنزل ومسؤولياته، والنفقة عليه، وقد يضر بها صاحب العمل والرئيس المباشر، وحين تضيق بها الحياة مع زوجها، وتصبر حتى يمل منها الصبر على لأوائه وزوغان بصره خارج السرب، وإهماله لها ولأولاده، أو لانحرافه في دروب مظلمة، وتجد الطريق إلى قلبه قد نبتت فيها الأحراش والأشواك، فتلجأ إلى طلب الطلاق يُلوِّح لها بتعليقها، أو حرمانها من أولادها، أو تركهم عندها دون نفقة، وتقوم حواجز الرحم دون الشكوى عليه لتأخذ منه حقها، فتقع فيما قالته تلك الصحابية: «إن لي صبيةً صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا».

إن من حق المرأة في مجتمعنا أن تُدرس أوضاعها من خلالها هي، فتحدد هي احتياجاتها، وترتب هي أوَّليَّاتها، وتسهم مع الرجل المنصف والرجل المختص والرجل المسؤول في وضع الحلول، وفي إشاعة ثقافة الحقوق، وتجريم الممارسات المسيئة على مستوى الإعلام المحلي والإقليمي.

كل ذلك ليس هو الشائع، وإنما حالات تكثر أو تقل، وأسوأ ما قد يحدث حين يتعارف عليها أو يتطبع بها مجتمع ما، أو قبيلة ما، أو أسرة ما، بينما الأصل أن المرأة في ديننا مكرمة، وفي مجتمعنا محترمة، وبين جنبات أسرتها ملكة، وفي صغرها مدللة، وفي شبابها صديقة لوالدها ولأخيها، ومحبوبة لزوجها، ومبرورة عند ولدها، وحين تكبر تنحني على راحتيها شفاه الكبار قبل الصغار، وتعتلي رأسها هامات الأقارب والأباعد، وحين تمر في طريق يفسح لها الرجل بكل تكريم، وإذا كانت في دَوْر قدمها على نفسها بكل تقدير.

المرأة في بلادنا أصبحت طبيبة، ومفكرة، وأديبة، وكاتبة، ومهندسة، وقائدة، وباحثة قديرة، كُرمت على مستويات عالمية وإقليمية ومحلية، وهي تحتفظ بهويتها الإسلامية، وانتمائها الوطني، وهي بهذا قادرة على أن تتحدث عن نفسها، وأن تضع على منصات الحديث وأعمدة الصحف وبين أروقة مجلس الشورى أهم قضاياها عندها، لتطرح بكل شفافية وموضوعية، بغية الوصول إلى تطوير الخدمات المقدمة لها، وتحسين الأنظمة التي تحفظ حقوقها وتفتح مجالات جديدة تناسب أنوثتها، دون أن نسمح للصراع الفكري أن يقتحم تلك المنصات لتحقيق انتصارات وهمية، وتصفية حسابات شخصية.

دعوا المرأة لتبوح لكم بما تريد كما تريد وبالطريقة التي تناسبها، وأبعدوا أصوات النشاز عن دوائر الصوت التي تشوش على ذلك البوح؛ حتى نسمعها بوضوح دون دبلجة أو مكسجة أو تهويل.


http://www.alyaum.com/article/4171900

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

أسرة آمنة

اعتقادي الجازم الذي أدين به لربي عز وجل بأن (الأسرة الآمنة) هي صمام الأمان لمجتمع آمن، ووطن مستقر، ومستقبل وضيء، وهو الذي يدفعني لاختيار هذا العنوان أو ما يتسلسل من صلبه لما يتيسر من ملتقيات ومحاضرات وبرامج تدريبية أو إعلامية، ومنها ملتقى

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات