التغيير والشباب .
مقال المشرف
التغيير والشباب .


التغيير الذي أعنيه هنا هو مباشرة: تبديل الحال إلى ما هو أفضل مهما تكن حالك الآن من الفضل والخير ، فإن من كان يومه مثل أمسه فهو مغبون .

أي لا تتوقع أنني أعني المصنفين بيننا أنهم مقصرون في واجب شرعي معين ، فكلنا ذوو خطأ ، وخير الخطائين التوابون ..

فالتوبة بعد الذنب تغيير ، والبر بعد العقوق تغيير ، والنشاط بعد الخمول تغيير ، والجود بعد البخل تغيير ، والبحث عن العمل بعد اليأس منه تغيير ، والحرص على النجاح بعد عدم المبالاة بالدراسة تغيير ، واستهداف أرقى درجات المجد الوظيفي بعد القناعة بما هو دون ذلك تغيير ، والالتفات إلى تربية الأولاد بعد إهمالهم تغيير ، وتجديد الحياة مع الأرحام بعد قطيعتهم تغيير ، والإصرار على مشروع نافع دنيا أو أخرى مهما كلف الأمر تغيير ، والرغبة في الفردوس الأعلى والنظر إلى وجه الله الكريم بعد مجرد الرغبة في عتبات الجنات تغيير ..

وهكذا فكل تطلع إلى ما هو أعلى وأسمى هو تغيير يستحق استهدافه .. وكلنا في حاجة ماسة إليه .

فإحداث التغيير في النفس إلى الأجود هو عملية نجاح في حد ذاتها يجب أن نمارسها باستمرار دون توقف مهما كانت درجة نجاحنا التي بلغناها .

إن كثيرا من الناس يبدءون مرحلة التغيير في حياتهم نحو الأفضل بعد حدث معين ، أو في موسم معين ، وليس ذلك شأن الشغوفين بتطوير أنفسهم ومن حولهم باستمرار ، الذين لا ينتظرون المواقف بل يصنعونها ، وإنما هو شأن الذين صرفوا عن الأهم بالمهمات الآنية في حياتهم ، أو الذين يرضون بما هم فيه من خوف من التغيير مهما كان فاضلا ، وقضية التطوير الحياتي قضية شرعية أصيلة ؛ فشرائع الإسلام الكثيرة مليئة بالتغيير ، فلتنظر إلى موسم الحج أو موسم رمضان مثلا ، كم فيهما من تغير لا يخفى على المتأمل ، مما لا يحتاج معه إلى تفصيل .

وإذا أردنا أن نصل إلى تحقيق النجاح في التغيير الفاعل في حياتنا كلها ، فإننا ينبغي أن نفكر جيدا في المحضن الأول لهذا النجاح ؛ وهو هذه النفس التي نحملها بين جوانحنا ، فهي التي سوف تتحمل عبء المحاولة بكل أبعادها وتوابعها ، ومن هنا كان لا بد من العناية الفائقة بإعدادها ، يقول الله تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس ] . وهو الموضع الوحيد في القرآن الذي بلغت أقسامهم أحد عشر قسما .

إذن فالتعلل بالقضاء والقدر لدى الفاشلين في القيام بمجرد المحاولة ليس له رصيد شرعي ولا إنساني ، فالإنسان هو الذي يقوم بعملية صقل النفس وتجهيزها للقيام بمهام تليق بالجنس البشري الذي استخلفه الله في الأرض ، والله تعالى هو الذي يحقق النتائج لمن بذل ، يقول الله تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [سورة العنكبوت 69] . فالذين حاولوا وجاهدوا أنفسهم هم الذين يحصلون على النتيجة المتوخاة ، والمحسن لعمله ، هو الذي يستحق أن يكون الله معه .

إن نفسك هي رأس مالك ، وشخصيتك هي جناحك الذي بيدك أنت تقويم ريشه ، وترتيب أعصابه ، وتقوية قوادمه وخوافيه ، ثم تحريكه والانطلاق به بكل طاقتك التي أودعت في خلاياك كلها بلا استثناء ، وكل ذلك بعون من الله وتأييد ، ومن فقد تأييد الله وتوكل على نفسه أو على أي مخلوق آخر وكله الله إلى نفسه :

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

وأما الجناح الآخر فهو بيد الله وحده ، لا دخل لك أنت فيه ، وهو الوصول إلى النتائج ، وبلوغ النجاح المرغوب .

وهنا أود أن أؤكد على أن الله تعالى يحب المتوكلين ، ولكنه يكره القاعدين ، والفرق بين الفريقين أن الأوائل يعملون ليصلوا وهم يعلمون أن بلوغ الهدف مرهون بأمر الله وقضائه ، والآخرون يتعللون بالقدر ولذلك فإنهم لا يعملون شيئا ، ولذلك أيضا فإنهم لا يصلون إلى شيء .

إننا ـ نحن المسلمين ـ مطالبون بتحقيق النجاح في كافة مرافق الحياة ، الأمر الذي يجعل الأمة كلها تأثم حينما تفشل في صناعة إبرة تحتاج إليها !!

إذن فالنجاح عندنا أمر ضروري شرعا وعرفا ، وعلينا جميعا أن نحفز أنفسنا حتى نبلغ ذروته ، فالله مدح أول من مدح { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10){أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)} [سورة الواقعة 56/11]} { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران 133] {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ } [سورة المطففين 26] {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [ الحديد 21 ]

إذن فالشخصية المحبوبة عند الله ليست الشخصية الخانعة الذليلة ، القنوعة بالقليل، بل هي : المسابقة ، المسارعة ، المنافسة ، والعمل الذي تتسابق فيه ليس له حدود قياسية معروفة ، بل هو مفتوح لا حدود له إلا حدود الشرع المطهر ، الذي الحلال فيه هو الأصل ، والمحرم هو المستثنى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ
طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } . {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [ الأعراف 32 ] .

كل ذلك يعني أن الحياة كلها مفتوحة على مصراعيها أمام المبدعين أن يحولوا حياتهم من حياة استهلاكية ، لا تخلف بعدها إلا الرماد ، إلى حياة منتجة ، معطية ، كالغيث أينما وقع نفع وغير وبدل ، وأحال القفر ربيعا أخضر يأخذ بالألباب ، لا لتأنس به العيون فحسب ، وتطرب له القلوب ، وكان ذلك كافيه ، ولكن ليمنح الله به الحياة سبب استمرارها .. { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30)} [سورة الأنبياء 21/30] .

 


 


 




تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات