حتى يعود الشعر إلى حلبته
مقال المشرف
حتى يعود الشعر إلى حلبته







نازع الشعر العامي الشعر الفصيح ريادة التأثير في المتلقين العرب في الفترة الأخيرة، فمن بعد أن كان لا يتجاوز برنامج «ركن البادية» وبعض الملتقيات الشعبية المحدودة، أصبح أكثر حضورا، وأرغب في الاستماع، وأقدر على النجاح في المحتفلات الكبرى من كثير من الشعر الفصيح الذي يباريه في المحتفل نفسه، وهو حق مكتسب لمن لا يجيد سواه، وتعبير تلقائي موجود في كل الشعوب، وكثيرا ما أطربنا، وهزّ قلوبنا وجوارحنا، إذا اجتمعت له عناصر الإبداع وطار بنا بأجنحته القوية.

وجديرٌ مثل هذا الموضوع بمؤتمر كبير تنعقد له جنباته، وتحتشد له جلساته، حراسة للفصحى، لغة القرآن، ووعاء الإسلام، فإن الشعر ديوان العرب كما قال الأولون، فسر به العلماء كلام الرب عز وجل، وبقيت شواهده تدعم قواعد العربية وتشدُّ أركانها، والتفريط فيه تفريط في الهوية اللغوية التي تعتز بها الأمم، كيف والعربية جزء من الدين، وعنصر حياة ووجود لأمة عريقة المنبت، كريمة المحتد، حملت الدين الخاتم، واستطاعت أن تتداخل مع عدد كبير من اللغات الحية، بل أصبحت جزءا كبيرا من قاموسها، وما الأوردية والفارسية والتركية إلا بعض شواهد على ذلك.

إنني أدعو إلى تداعي المؤسسات الثقافية والأدبية والتعليمية إلى مشروع ضخم، يتواكب مع ضخامة المشكلة، وجسامة المسؤولية، وشرف المقصد، ويكون من أبرز الأهداف صناعة جيل قوي من الأدباء الشباب، والشعراء المبدعين، يجيدون المبنى، ويسلم لهم المعنى، وما ذلك بعزيز.

ومشاركة في وضع الأحرف الأولى لهذا المشروع أقدم هنا مقترحات يسيرة تمثل وسائط متاحة لإنضاج الملكة لدى الناشئ في روضات الأدب، وفرصا من فرص التكوين الأدبي؛ منها المحاضن المختصة، مثل اللجان الطلابية الأدبية التابعة للمدارس والجامعات، والأندية الأدبية التابعة لوزارة الثقافة، والمجالس الأدبية القوية، التي يفتحها أو يرعاها وجهاء الأدباء، والرحلات الأدبية؛ لزيارة عمالقة الأدب، ومؤسساته.

ويمثل التشجيع الوسيلة الأهم في استثارة الملكة، والوقود الأقوى على استدرارها، مثل المسابقات، مع الحرص على أن يحصلوا على جوائز معنوية من خلالها، كالاحتفال بنجاحهم بحضور شرفي كبير، وإتاحة الفرص أمام الناشئة بإحياء أمسيات خاصة بهم، وطبع نتاجهم الأدبي، وإدخالهم في بعض المعاجم الأدبية، والتعريف بهم من خلال مقالات صحفية، أو لقاءات فضائية، وتشجيعهم على بعض المناشط ذات الطابع الأدبي والإلقائي.

ومنها: توظيف اللسان الأجنبي في دعم الإبداع، فإنني لم أكد أجد أحدا أبدع في ميدان الأدب الحديث إبداعا مبهرا إلا وجدت له لسانا آخر غير لسانه العربي، ينهل به من آداب تلك اللغة، ويلاقح بين ما اكتسبه من لغته، وما اكتسبه من اللغة الأخرى.

وقد ظهر لي بأن تعلم اللغة الأخرى في الوقت الذي تكتسب فيه اللغة الأم يداخل بينهما، وقد يطغى الدخيل على الأصيل، ويؤيد ذلك كون اكتساب اللغة ملكة وليست صناعة، فمحاولة تعلم لغة أخرى قبل تمكن الملكة الأساس، يفسد الملكة الأولى، وينشأ عن ذلك حالة وسطية ممتزجة من هذه وهذه، غير قادرة على الإبداع في أي منهما.

ويرجع ابن خلدون سبب فساد الملكة اللغوية عند العرب في العصور السابقة إلى «أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد -أي طرق التعبير عن المعاني-، كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب، فيعبر بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضا، فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى. وهذا معنى فساد اللسان العربي» [مقدمة ابن خلدون ص 555].

ومن أجل الوصول إلى صناعة أديب لا بد من خطة وعناء، لأن استهداف استكشاف الميول والطباع، والتعرف على المواهب والقدرات، يحتاج إلى قصد تربوي وعلمي لدى الأسرة ومن يساندها من المؤسسات التي حولها، تعطي كل لون من ألوان الفنون حقها من الرعاية والاهتمام، ومن ذلك الأدب بكل فنونه، وكان لا بد أن تنهض المؤسسات التعليمية بهذا الواجب الحضاري في بلادنا، لتنقل التعامل مع الطالب من كونه ماعونا يعرض فيه العلم، كما يحلو لبعض أجدادنا أن يقول، إلى أن يكون مطبخا يحول ما في القدر من مواد خام، إلى لون جديد، لا عهد للعيون الإنسانية به من قبل، وهذا يحتاج إلى وضع خطة متكاملة تناسب ميول الناشئ ومستواه.

هكذا يجب أن نصنع الحياة من حولنا، أو نسهم في صناعتها، حتى لا نبقى عبئا عليها، تحملنا ولا نحملها. ومن أسهم في الحياة بصناعة أديب في داخل أسرته أو بلدته أو مدرسته، فقد أهدى إلى البشريةـ عبر القرون- مهندسا من مهندسي حضارتها القادمة بإذن الله تعالى.



http://www.alyaum.com/article/4170802

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات