هل تعرف قدر نفسك ؟
مقال المشرف
هل تعرف قدر نفسك ؟

هل تعرف قدر نفسك ؟


( رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه ) ، كثيرا ما نتعامل مع هذا النص بطريقة سلبية، فنحن لا نرى له إلا جانبا واحدا فقط ، هو القناعة بالموجود ، وعدم الطموح إلى أي نجاح جديد ، وذلك بسبب تضخيم جانب الضعف في النفس ، والنظر إلى الإمكانات المتاحة أنها أقل بكثير مما يعرض عليها من مهام ، أو ما قد تمتد إليه العين ، ويتمناه القلب، فيكون هذا العذر جاهزا إلى درجة إهانة الذات والتقليل من شأنها .

حقا إن من الخطأ أن يبحث الإنسان منا عن مكان ما أو يرضى به وهو لا يملك أدواته ، ولا تسعفه فيه مواهبه ، وإنما ليحقق به كسبا نفسيا ، وجاها اجتماعيا ، فإنك لن
تستطيع أن تكون مستشارا في شركة صرافة وأنت لم تدرس الاقتصاد والمحاسبة ، ولم تكسب أية خبرة عملية سابقة ، ولن تستطيع أن تدير صحيفة وأنت لم تعمل يوما في هذا المجال اللاهث ، ولن تكون شاعرا إذا لم تكن قد ولدت شاعرا .. وهكذا ...

ولكن ذلك لا يعني أنك تهضم مواهبك الأخرى ، وقدراتك الكامنة ، بحجج شتى قد يكون منها هذا النص ، أو نص آخر من كتاب الله تعالى يقول فيه المولى العزيز معلما عباده الدعاء : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) . حيث يضعه أيضا كثير من الناس في غير موضعه ، فيحتجون به على خورهم وتخاذلهم عن تفعيل طاقاتهم ، واستثمار إمكاناتهم ، مع أنه في غاية التكليف ، وذروة استنفار جميع الطاقات ، فإن الإنسان لا يكلف إلا بما في طاقته ، فهل اكتشفت طاقتك كلها ، ثم استثمرتها ؟



الواقع أننا نعمل بالقليل من طاقاتنا ، والباقي نهدره في كثير من الجلسات الفارغة ، والنوم المتدافع .. الذي يطلب بعضه بعضا ، والتذمر من الواقع الذي نعيشه بأي طريقة كانت ، وإدانة كل من حولنا بأنهم هم السبب في قعودنا وعدم تفعيلنا ، ثم نوجه سهام الحسد والحقد والانتقاد إلى كل من يعمل ؛ بأنه أناني لم يترك لغيره فرصة ليعمل إلى جواره ، وأنه إنسان معجب بنفسه ولا يرى أن غيره قادر على ما يقوم به ، وأنه يبحث عن الشهرة ، وأنه يتملق رؤساءه ، وأنه .. وأنه ..

منتهى السلبية .. نعم هذه منتهى السلبية ، وإلا فأين المبادرة والطموح ؟ وأين إثبات الوجود الفعلي بالعمل ؟ بل أين مشاركة الناس في نجاحاتهم والفرح لهم بها بوصفها نجاحا لكل المجتمع ؟ لماذا لا أشعر بالنجاح ولا أطرب له إلا إذا حققته أنا .. ويل المجتمع كله ممن تضخمت ( أناه ) ولم يعمل إلا لذاته ، وهو يوهم من حوله بالتجرد وخدمة الآخرين، والإخلاص لدينه ولوطنه وأمته ..


أليس هناك مكان غير هذا المكان الذي شغله فلان وفلان ؟ لماذا لا أتركهم يعملون وأبحث أنا عن مكان آخر يكون فيه وجودي إضافة للحياة والمجتمع الذي أعيش فيه ، لا إحلالا مكان من كان يقوم بدور لا بأس به فيه !! فيكون عملي تعطيلا لطاقة أخرى ؟

إن النفس الإيجابية يصل بها الأمر إلى إبداع المكان الجديد للقيام بمهامه ، لا إلقاء الآخرين في البحر كي يقوم صاحبها بدورهم ، وربما أقل .. من يدري ؟

إن نفسا طامحة للخير ونفع الناس مثل نفس يوسف عليه السلام شجعته أن يقف بشموخ ( لا بذلة الجشعين في المناصب ، المتذللين في معابدها ) أمام ملك مصر ليقول له
: ( اجعلني على خزائن الأرض ) ، الأمر عظيم ! إنه يطلب أن تكون أموال الدولة كلها في يديه ، أليس ذلك مظنة شك في أهدافه - حاشا نبي الله عليه السلام - ، ولكنه علم أن مصر قادمة على محنة عظيمة قد يكون فيه هلاكها إذا لم تعالج بحكمة وحزم ومداراة ، وعلم من نفسه قدرة على ذلك بتأييد الله تعالى له ، فطلب هذا المنصب الخطير ، الذي تخشى فيه العواقب بشكل خطير ، فهو لن يتربع على كنز من الذهب في سعة من العيش ، بل طلب أن يتحمل مسؤولية الأمة ليصل بها إلى بر الأمان بإذن الله تعالى في أشد ضائقة اقتصادية تمر بها في التاريخ .

إن الهروب من المواقع التي تتطلب مزيدا من العمل والجهد بأي حجة كانت هو هروب من المسؤولية الجمعية ، التي ينبغي أن يتصدى لها كل فرد من المجتمع في مكانه اللائق به ، دون هضم للنفس ، ودون إقحام لها في غير ما خلقت له ، فـ ( كل ميسر لما خلق له ) ، كما ورد في الحديث الشريف ؛



فهل عرفت قدر نفسك ؟







 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

مقال رائع
شكرا لكم
هل تعرف قدر نفسك



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات