القتل .. القتل
مقال المشرف
القتل .. القتل
لم يعد القتل في المعارك فحسب؛ ولا في حوادث نادرة، بل أصبح سمة العصر، حتى بدأت تتفشى ظاهرة الهروب من استماع الأخبار فضلا عن مشاهدتها بسبب ضراوة أكثرها، وسطوته على النفس السوية، فكلها قتل، واغتيال، وتفجير، وغرق.. وازدادت نسبة القتل الفردي في كثير من الدول بشكل لافت، وتدنى عمر مرتكبيه، وزاد من قبح بعضه أن يجري على أيدي الأقارب، بل أقرب الأقارب .

فمن المسؤول عن كل ذلك في هذا العالم الذي نمثل جزءا منه؟ وهل يمكن أن نتقيه في إطار بلادنا وأسرنا ومحاضننا التربوية؟

سؤالان ثقيلان، يحتاجان إلى دراسات وأبحاث لتحديد الإجابة الحقيقية، وليس المدلسة بالأيدلوجيات والمصالح .

الحقيقة تقول: إن الطفل اليوم ينشأ في عالم جعل من القتل شيئا عاديا، أو أكثر من عادي، فألعاب الأطفال أكثرها رشاشات ومسدسات، ودبابات وطائرات عسكرية، والأفلام الكارتونية التي يشاهدها أكثر من 90% منها يقوم على الصراع، والقتال، والضرب، والانتقام، بدءا من توم وجيري إلى آخر أفلام الخيال العلمي الذي بدلا من استثماره في إيصال المعلومات الصحية والاقتصادية ومهارات الحياة الإيجابية لأذهان الأطفال وسلوكهم، أصبحت مجالا خصبا لأسوأ ما يمكن إيصاله إليهم من سلوك عدواني، يخزن في أعصابهم اندفاعات مؤقتة، يمكن أن تتحرك وتنفجر في أية لحظة محفزة .

حتى الشباب والفتيات أصبحت أفلام الرعب وجباتهم اليومية، وهي ـ بالطبع ـ لا تخلو من سَلَطَات جنسية قذرة، تحول الحصول على الإشباع الجسدي إلى رغبة عارمة، يمكن الوصول إليها بالعنف والجريمة .

بل حتى الروايات البوليسية أصبحت هي الأكثر شيوعا في أيدي الشباب، وقد يتصور الشاب أنه يمكن أن يكمل الجريمة لو أنه تفادى الثغرة التي دخل من خلالها المحقق، فيجرب، وتقع الكارثة .

أما الألعاب، فمشكلتها لم تبدأ بألعاب الاستقطاب للجيوش التكفيرية كما حدث مؤخرا، فهي ـ منذ الأساس ـ تمتلئ بآليات القتال، وتعتمد على القتل بدم بارد، والفوز فيها بعدد القتلى!! إن مهمتها أن تحشد في كيان من يمارسها من الصغار والكبار شحنات منفعلة غاضبة، لا تمنح فرصا للتفكير الكافي لاتخاذ القرار، كما يحدث في الألعاب الرزينة، التي تربي الذوق، وتعلم مهارات الإدارة، بل وتعلم مهارات البيع والشراء، وإدارة الممتلكات، والتخطيط، ونحو ذلك .

وتأتي بعض الأعراف الجاهلية، في بعض القبائل التي لا تزال ـ رغم التحضر ـ تسقي أولادها جرعات كريهة لأنواع فاسدة من الرجولة، فتسمع من يقول: «ترى ديتك في الصندوق»، وقد يَقتُل، ويكتب الله له النجاة من القصاص بعفو أخيه، فإذا به يفاخر أقرانه ـ ببطر ـ بأنه قتل إنسانا ما!! بل ويعود ويقتل آخر.. ليحقق بطولة تافهة على إنسان مسالم أعزل!! أية نفس تلك، ولعمر الله أي عرف همجي هذا؟! وإلى متى سيبقى؟

نعم، نحن جزء من هذا العالم، ولكن من حقنا أن نحمي أنفسنا، وبلادنا، والمجتمع مجموعة من الأسر، فلو أن كل أسرة استبدلت بألعاب القتل ألعاب الذكاء، وبأفلام الكارتون والرعب أفلاما تربوية وعلمية ووثائقية، وبروايات الجرائم قصص الناجحين والمخترعين، وتخيرت الألعاب الإلكترونية التي تعتمد على حسن الاختيار، والذكاء في الوصول إلى الفوز، وكفت تلك الأسر المتخلفة عن إرضاع الجيل الجديد أعراف الثأر والتمرجل على حساب دماء الناس، لأسهمنا في محاصرة (هواية القتل والجريمة)؛ حتى لا تصبح تقليعة شبابية، أو موضة عصرية

إن تبشيع سفك الدماء يجب أن يكون موضوع الساعة، على كل الصُّعد، سواء أتى من الفرق الضالة، أو من عصابات الإجرام التي أصبحت تضم أبناء السادسة عشرة والثامنة عشرة، وغالبهم لا يتجاوز العشرينات، إنه جيل مرتبك، أفسدت فطرته ألعابه ومقتنياته ومشاهداته ومسلياته .


والله المستعان

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات