الإسفاف المسرحي.. والذوق العام
مقال المشرف
الإسفاف المسرحي.. والذوق العام

ليست المرة الأولى التي يتحول فيها المسرح في مناسبة شرعية أو وطنية إلى نافذة للإسفاف غير الخلقي، وليست المرة الأولى التي يرفض فيها المتلقي؛ سواء أكان على مستوى راعي الحفل، أو على مستوى المؤسسة التي تتفاجأ بالخروج عن النص، أو على مستوى الحضور الواعي.

واستنكار الأمر غير الأخلاقي دليل على التمتع بالذوق السليم، كما أن الدفاع عنه دليل على الفقر الشديد في أبجديات الرقي في التعامل البشري، والحرية الحقيقية التي تنتهي عند الفرد عند ابتداء حريات الآخرين.

وما حدث في احتفال العيد الذي أقامته أمانة الرياض يستحق التوقف عنده وقراءة ردات الفعل التي حدثت بعده مباشرة:

شاب حديث التجربة يتلفظ بألفاظ نابية وهو على خشبة المسرح، وفي جمهوره مجموعة كبيرة من الأطفال، وقد جاءوا ليسعدوا ويضحكوا في مناسبة العيد البهيجة مع آبائهم، فإذا بهم يجدون أنفسهم مصنفين ضمن قوائم مليئة بالألفاظ النابية والشتائم القبيحة، التي لم تكتفِ بهم، بل شملت حتى آباءهم، فتطوع أحد الآباء الحضور، وأوقف هذا السيل المتقيح من البذاءات، وطلب من المقدم أن يحسن ألفاظه، ويختارها بعناية؛ حتى لا يصدم الأطفال بها؛ فصفَّق له بعض الجمهور، ولكن المقدم أجهض هذا الرفض الراقي برفض مسفّ، حيث لجأ إلى إضحاك بعض الجمهور على المواطن، فإذا به ينسحب مع أولاده.

الحدث ليس جميلا، وتناقله كان وصمة في النشاط الترفيهي في بلادنا، ولكن جلَّ ما حدث بعد ذلك رائع بالفعل؛ فقد تقدمت أمانة العاصمة بالاعتذار عما بدر من الشاب، وأوضحت أنه خروج عن النص، وأنها ستتخذ إجراءات أكثر صرامة في المستقبل بإذن الله تعالى؛ للحد من مثل هذه التصرفات غير اللائقة، وهو أمر محمود للمؤسسة الرسمية التي تتعامل مع جمهورها باحترام وتقدير، مما يحتفظ لها بمكانتها ودرجة الثقة التي منحها لها هذا الجمهور.

كما أن الشاب نفسه وجد نفسه ـ بعد مكابرة وقتية ـ أنه أخطأ في ألفاظه، وفي تعامله مع المواطن الذي فعل ما كان يجب عليه أن يفعله، وتحدث الشاب بكل شجاعة في إحدى الإذاعات المحلية مع مقدم البرنامج الذي استضافه، معترفا بأخطائه، ومعتذرا عما بدر منه، بل ومستعدا للاعتذار من المواطن نفسه الذي اعترض عليه، وكان صوته منكسرا مؤلما، وهنا كان ينبغي أن نقابل هذا الاعتذار بالتقبل، واحتضان هذه الطاقة التي يمكن أن تستثمر فيما يعود على الوطن بالخير، بدلا من أن نزيد الكيل كيلين ـ كما فعل بعض المغردين حتى وإن أحسنوا النية ـ فنخسرها للأبد.

والأجمل من هذا كله، هو توحد المجتمع كله ـ إلا من شذَّ بسبب شذوذه الفكري ـ ضد الإسفاف والبذاءة، معلنا ـ بطريقة غير مباشرة ـ أن لديه معايير لتلقي الفن لا يمكن التنازل عنها، وأنه إذا وجدت مسارح في غير بلادنا تُبنى على الرذيلة أو القاذورات اللفظية أو الحركية، فإنه لا يمكن قبولها في بلادنا أبدا.

إن الرفض الجمعي الذي تبعه البيان المؤسسي، دليل على وعي صحي، وسلامة الذوق العام، وعلى شيوع الجمالات الخلقية في مجتمعنا، وهو ما ينبغي أن نشجعه، ونسانده، ونقف معه بكل صراحة، رافضين كل المبررات السمجة التي تسوغ للخطأ في حقوق الأطفال، والآباء، والحضور، بل تلك التي وصلت إلى دعشنة المواطن الذي لا يعرف حتى اسمه، وهي محاولة لإجهاض صوت الفضيلة حين يرتفع أمام كل انحراف سلوكي؛ للعمل على تطبيع الرذائل الخلقية بطريقة مقصودة أو غير مقصودة.

ودمت شامخا نقيا يا حبيبي .. يا وطني.


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

الشيخ الرومي.. وجيل الرواد

أكثر من مائة عام (1337-1438هـ) عاشها الشيخ الراحل عبدالله بن محمد الرومي. وانتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس الماضي، السابع عشر من جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثين للهجرة. واحد من جيل الأدباء الرواد، لا يعرفه جيل اليوم، عم

    استطلاع الرأي

أحرص على ممارسة رياضة المشي
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات