اترك لي فرصة
مقال المشرف
اترك لي فرصة

نحتاج معشر المسؤولين بصفتنا آباء وأمهات، أو بصفتنا رؤساء ومديري مؤسسات ودوائر ونحوها، نحتاج بالفعل أن نراجع أبجديات التواصل الإيجابي مع الذين لنا الولاية عليهم شرعا، أو نرأسهم نظاما.

فإن الشعور بتلك المسؤولية إما أن يولد إحساسا بتبعاتها أمام الله تعالى، ثم أمام من وكلنا بها، وولانا عليها، وإما أن تصيبنا بداء التعالي، الذي يكون خفيا متواريا إذا كانت النفس طيبة، والسجية حسنة، أو يتحول إلى طغيان حاد، وطوفان من (الأنا) الساحق، الذي لا يترك لنا وجودا في قلوب الآخرين، الذين يمثلون مستقبلنا.

حين يهطل عليك ابنك أو موظف من منسوبي دائرتك بفكرة ما، ويكون قد درس جوانبها، جاءك ومساحات الكرة الأرضية كلها تتقافز بين أنامله، والحماسة تؤجج ما بين مشرقيه ومغربيه، فإن من المهم جدا أن تتقبل فكرته لأول وهلة، حتى وإن لم تقبلها عقلا وفكرا وتوجها تربويا أو إداريا، فإن التقبل غير القبول، فلست ملزما أن تقبل فكرة ما، وتنفذها في بيتك أو في دائرتك، ولكنك ملزم (سلوكا) أن تتقبل صاحب الفكرة، وحقه في طرح الأفكار أصلا.

أعجب كثيرا من أب أو مسؤول يردُّ فكرة ما من أول طرحها، نعم يمكنه أن يقبلها في أول لقاء، ولكن ليس له أن يرفضها قبل أن يدرسها ويتأملها، وبخاصة إذا لم يكن قد فهمها أصلا.

إن الوالدين حين يقابلون أولادهم بالرفض لأطروحاتهم، فإنهم سيقفلون ممرات التواصل بينهم، فتحدث الاحتقانات، وتتلفت الأفئدة خارج الصندوق، إذ إن من الطبيعي ألا تبقى العلاقات الإنسانية معلقة، بل ستبحث لها عن مسارب ذات مشارب أخرى، لا يمكن التكهن بنوعها، ولا بسلامتها، ولا بعواقبها.

وحين لا يقدر المسؤول كل ما يطرح عليه من الأفكار والمبادرات، ويرفضها؛ لأنها كبيرة، أو لأنها مستحيلة التحقيق (في نظره بالطبع)، أو لأنها غير مناسبة، أو.. فهو ينتحر إداريا، فليس ثمة مسؤول يمكن أن يحقق إستراتيجية مؤسسته، أو أهدافها العليا، وخططها التنفيذية لوحده، وحين يردُّ هذا، ويحرج ذاك، فإن القوم سينفضون من حوله، استقالة، وتقاعدا مبكرا، أو بالتوقف عن التفكير والإنتاج الإبداعي، وبهذا تتراجع الإنتاجية، وتكثر المشكلات العالقة، ويقل الولاء للمؤسسة، ويضمحل كيانها.

الفكرة تجذب الفكرة، ولا يوجد شيء يثري العقل، ويدفعه إلى الابتكار مثل التشجيع والتحفيز.

الوالد أو المسؤول الذي يتجه هذا التوجه الخطير، يكون عادة صاحب فكرة واحدة تسيطر على أفقه، فلا يرى غيرها، ولا تدع له سوى ثقب صغير ينظر من خلاله لأطروحات الآخرين.

وأكثر ما يؤثر في مسار إدارة هذا النمط من المسؤولين هو: أن الأصل فيما يُطرح عليه عدم مناسبته من أية زاوية، وعليه أن يكتشف هو الزاوية التي يرد بها تلك الفكرة، سواء أكان رده مقبولا عقلا، أو فليستخدم حق (الفيتو) بصفته صاحب القرار، وهنا ودون أن يشعر يتحول إلى الإدارة الفردية، التي تختفي وراء جدرها السمراء جميع الأصوات الأخرى، حتى وإن ملأ إدارته بالمجالس الاستشارية، واللجان التي مهمتها دراسة الأفكار والمشروعات؛ لأن كل هؤلاء يعلمون بأن آراءهم وجهودهم قد تذهب في لحظة واحدة هباء منثورا، حين لا يقتنع وبلا دراسة متأنية وفي أول جلسة صاحب القرار المتفرد.

حين نلغي (أنا) ونشعر بـ (نحن) في أسرنا ومؤسساتنا الحكومية، فإننا سنتضاعف عطاء وثمرات، وسنمتد أعمارا متعاقبة من خلال أولادنا، أو من كانوا في دوائر مسؤولياتنا بتوفيق الله وتسديده.


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

أولادنا بين الرعاية والتربية

هل ستكفي تلك الفائدة الرائعة التي تداولها الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحل معضلة الفهم الخاطئ، والخلط المسيء للمسؤولية الوالدية، بين الرعاية والتربية، فلا أزال أسمع من يمن على أولاده بأنه يقدم لهم كل ما يحتاجون وأكثر، ولكنهم أخفقوا في دراست

    استطلاع الرأي

أحرص على ممارسة رياضة المشي
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات