الحج والحياة
مقال المشرف
الحج والحياة
إن من أهم أسرار الحج أنه يربطنا بقدوتنا العظمى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال: "خذوا عني مناسككم"، فالمسلم الذي راح يسأل ويتحرى أن يكون حجه كله وفق الهدي النبوي الكريم، يرجو ألا يحيد عنه، رجاء قبوله، ينبغي له كذلك أن يتأسى به في كل حياته، فالله تعالى يقول في محكم التنزيل: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.

إنها آية عظيمة تضع المسلم أمام حقيقة ربما غفل عنها في خضم الحياة، وهي أن حياة الإنسان كلها، بل ومماته يجب أن يكونا وفق نهجه وهديه، كما هو شأن صلاته وعبادته المحضة، يتقفى في ذلك كله أثر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فلا يستعير منهجا لماله من جهة، ومنهجا لأسرته من جهة ثانية، ومنهجا لفكره من جهة ثالثة، ثم لا يدع لله إلا ركعات ربما لا يدري ماذا قال فيها، وصياما فقد حقيقته، وحجا جهل أسراره، فعاشه بجسده ولم يعشه بقلبه؛

يقول عمر أبو ريشة معتذرا إلى الله بعد حجه: أسأل النفس خاشعا: أترى، طهرت بردي من لوثة الأدران، كم صلاة صليت لم يتجاوز، قدس آياتها حدود لساني، كم صيام عانيت جوعي فيه، ونسيت الجياع من إخواني، كم رجمت الشيطان والقلب مني، مرهق في حبائل الشيطان، رب عفوا إن عشت ديني ألــفاظا عجافا، ولم أعشه معاني.


ومن أسرار الحج كذلك أنه يعطي صورة رائعة للوحدة التي يجب على المسلمين أن يسعوا إلى تحقيقها، فها هم أولاء قد تجمعوا من كل فج عميق، أبيضهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، عربيهم وعجميهم، غنيهم وفقيرهم لا تجمع بينهم سوى رابطة الدين وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يرتدون لباسا واحدا، ويهتفون هتافا واحدا، ويرجون ربا واحدا.


قد ضحوا بأنفسهم فعرضوها لمخاطر الأسفار، وضحوا بأموالهم فأنفقوها راضية بها نفوسهم، وضحوا بأوقاتهم فاقتطعوا منها أياما وربما شهورا، وضحوا بقربهم من أهلهم وديارهم وأسواقهم فتركوها في سبيل الله، وضحوا بجمالياتهم التي كانوا يحرصون عليها، فتجردوا من كل زينة ليبقوا أياما معدودات بلباس الإحرام المتواضع، الذي لا مباهاة فيه بين رجل وآخر، ولا مدعاة فيه لعجب أو رياء أو خيلاء، وتلك تربية للنفس على بذل كل شيء من أجل إرضاء خالقها تعالى ومحبته، ليس في الحج وحده، بل في سائر أيام العمر.


ومن أسراره ومنافعه تربية النفس على العفاف والأدب العالي، فإن الله تعالى يقول: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ما تفعلوا من خير يعلمه الله}، فإن من أراد أن يعمل بهذه الآية فعليه ألا يتدنى إلى الرفث، ولا يتدنس بالفسوق، ولا ينطق بالفحش، بل ولا يشغل نفسه بالجدل والنقاش الذي لا طائل وراءه، ولا ينظر نظرة مريبة، ومن يلزم نفسه بهذا كله في أيام الحج، فإن أثر ذلك سيبقى له بإذن الله بعده، ولو درسا يتذكره كلما مالت به السبل، أو اشتط به الطريق .


لعل تلك بعض المنافع التي أشار إليها الله تعالى في كتابه العزيز: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات}.

ومضة/ الحجاج ضيوف الله شرفنا بخدمتهم.



تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

120 فرصة لنا أو لهم

جميل أن تبدأ الإجازة بشهر رمضان المبارك؛ ليقتنص منها 30 يوما، ترتاض فيها النفس المؤمنة على طاعة الله تعالى؛ تتقرب من مولاها، وتحفظ جوارحها، وتستثمر ثوانيها فيما يخلدُ في خزائنها عند مولاها. 120 فرصة لنا لنكفر عن تقصيرنا مع أنفسنا ومع أهلنا وذ

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

أحرص على ممارسة رياضة المشي
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات