المملكة والدور الحتمي
مقال المشرف
المملكة والدور الحتمي
تتوسط الكوكب الأرضي، تختزن أغنى كنوزه، تضم بين جنبيها أطهر بقاعه، وتشرف بقبر أقدس إنسان براه الخلاق وأرسله للناس كافة -صلى الله عليه وسلم- تلتفت إليها في كل لحظة قلوب وأبصار مع لفتات الشمس ونمو الأقمار، تهوي إليها أفئدة الملايين في كل عام، هكذا أراد الله أن تكون الأرض التي تتمدد عليها بلادي المملكة العربية السعودية،
في رُباها انبثقت دعوة تجديدية عانقت القيادة السياسية منذ طفولتها، إلى أن شبتا معًا، فتكونت دولة رفعت كتاب الله تعالى شريعة ومنهاجًا، وجعلت خدمة الحرمين الشريفين أولية في استراتيجيتها، وسعت إلى بث العقيدة الصافية النقية في أنحاء المعمورة، وتتابع على ذلك ملوكها مؤمنين بأنه شرف الدنيا وكرامة الآخرة.
هكذا أفهم مقام بلادي، وهكذا ينبغي أن يستمر دورها الشرعي، ودورها القيادي، وإذا كانت تقوم بهذا طوال العقود الماضية ولا تزال، فإن المتوقع والمأمول والمطلوب منها الآن أكثر وأكبر وأخطر.

فلم تعش (الأمة المسلمة) أزمة كما تعيشها اليوم، فالمطامع الخارجية التي فشلت في السيطرة عليها عبر عدة محاولات، ها هي ذي تنجح في صناعة خنادق بين دولها وشعوبها، وتغذي الحروب المستعرة بسلاحها لتفتك بها بأيدي أبنائها، وتكرس لذلك ثقلها السياسي في مراكز صناعة القرار الدولي، والتيارات المتطرفة التي كانت مجرد أفكار، أصبح في يدها السلاح الفتاك بكل أنواعه، حتى طمعت في السيطرة على مقدراتها وأراضيها، وفي الوقت نفسه تحولت الدول المسلمة في أطرافها إلى محل صراع على النفوذ الطائفي باستغلال الفقر والجهل والمرض.

وهنا تكبر مسؤولية بلادي؛ لأنها المرشحة للنهوض بالأمة من هذه الكبوة، وهي الأولى ببث الفكر الإسلامي الوسطي، الذي تجدد بها، وقد حملته قرونًا متتابعة، ولا تزال تقدم ما في وسعها، ولكن واقع الأمة اليوم تغير فيه كثير من الملامح، والخارطة السابقة أصبحت خارطة مرتبكة،
لذلك فإني أقترح أن تشكل لذلك هيئة عليا تتمتع بالبصيرة والرؤية الواقعية العميقة، والاستشرافية النافذة، تقوم بدراسة الأوضاع في البلاد المسلمة، وغيرها من الدول التي تعيش فيها الأقليات المسلمة، حتى لا تتخطفهم التيارات والمذاهب المختلفة،
ويكون لها أجندة تكون على مستوى الأحداث، وتتبنى المشروعات العملية، التي تحافظ على شخصية الأمة، وعلى مكانة المملكة العربية السعودية في قيادة المشروع الإسلامي؛ بفتح الجامعات الخاصة بالمنح الدراسية، وتشجيع الجامعات القائمة على الشرعية بالذات على منح مزيد من الفرص الدراسية لأبناء المسلمين في كل مكان، وبخاصة أماكن الصراع على الهوية،
ودعم المؤسسات الإغاثية والدعوية التي تتبنى ملايين الأيتام والفقراء والدعاة في الأرض؛ مثل هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، ومؤسسة مكة، وأمثالها، التي تعد الأذرعة المعطاءة لبلد الخير: المملكة العربية السعودية، وحثها على توسيع نشاطها؛ ليكون منافسًا قويًا وهادئًا لكل المؤسسات الأخرى التي تهدف إلى استغلال الظروف لصالح أجندتها الخاصة، ودعم المراكز الإسلامية التي تتبنى المنهج السوي في الدعوة إلى الله تعالى، ونشر العلم الشرعي النقي.

إن المملكة العربية السعودية بما تمتلكه من موارد بشرية أثبتت جدارتها وتفوقها وكفاءتها قادرة -بإذن الله تعالى- على استمرار قيادتها للأمة في ظل الظروف الحالكة التي تعيشها، وأن يبقى لها شرف خدمة المسلمين في أنحاء الأرض، فما اعتدنا أن نأكل لقمتنا وحدنا، ولا نحس أننا في أمان وإخواننا في حرب.
إن من الوطنية الحقة أن نحب ونسعى أن يبقى لسعوديتنا امتدادها ووهجها على امتداد الأرض، وفي ذلك حماية لمقدرات الوطن وهويته الأصيلة.

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات