المسنون .. كيف نتعامل معهم ؟
مقال المشرف
المسنون .. كيف نتعامل معهم ؟
بين فترة تمر وأختها يفاجئنا خبر صاعق ، تظل نفوسنا له هائمة ساهمة ، لا يرتد إليها صوابها إلا بعد حين ، أحقا يقتل الرجل أباه ؟ أيعقل أن يحرق المسلم أمه ؟ أو يتصور أن يمس الإنسان والديه بضر ؟
بدلا من أن يحاسب المرء نفسه : ماذا صنعت لهما من الإحسان ؟
هل نجحت في الاختبار حين كبرا ، وتغيرت معاملتهما من فرط الهرم ، هل صبرت عليهما كما صبرا علي في صغري ؟
لما احتاجا إلى خدمتي هل قمت عليهما بنفسي محبا طائعا كما فعلا لي في صغري أم كان العقوق مكافأتهما ؟
أواه من جحود الخائنين ، أواه من طعنات المجرمين !
أو يكون جزاء صلب خرجت من بين أضلاعه ، وحملني على أكتافه ، وحنا على رزقي بسواعده ، أو يكون جزاء رحم تكونت في أحشائه ، وحييت من لحمه ودمه ، وشببت على حساب شبابه ، أو يكون جزاء الإحسان تفريطا في الحقوق ، وعقوقا ما بعده عقوق ؟
وليس المسن الذي يستحق رعايتك هما والداك فقط ، بل كل مسن مسلم ، وقد أوصى الله تعالى بجملة من الناس ممن نتعامل معهم من حولنا ، يقول الله جل في علاه : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم } .
وجملة من هؤلاء أرحام ، والله تعالى في الحديث القدسي يقول : (( أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ )) رواه الترمذي .
وفيهم المعارف والجيران وأهل الحي وأصدقاء الوالدين ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ )) رواه مسلم .
وعموم المسلمين يدخلون تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)). رواه مسلم .
بل إن هناك أدلة عامة تدل على أفضلية رعاية المسنين مطلقا والإحسان المطلق للإنسان ؛ قال صلى الله عليه وسلم : (( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) .
ولكي نحول القول إلى واقع في حياتنا أحاول أن أضع عددا من الأسس في التعامل مع المسنين :
الواجب الأول : الكفالة : وتعني رعاية شؤون المسن كاملة بتأمين مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه وعلاجه وسبل الحياة الكريمة له ورعايته والعناية به ، وهي في التقدير أعلى درجات الواجبات تجاه المسنين وأشملها ويمكن ترتيبها في درجتين : الأولى الكفالة الواجبة : وهي التكليف بالدرجة الأولى على الأبناء للوالدين وحق من حقوقهما عليهم . والأخرى : الكفالة الأخلاقية : ومن المؤكد أنها دون الوجوب بحيث تترتب على الأقرب فالأقرب ، فإذا لم يوجد من تجب عليه بشكل مباشر أو تخلف عن القيام بواجبه ، فإن الأخلاق الإسلامية التي تأمر بالتعاون والتكافل تستدعي القيام بهذه الكفالة وهي بالطبع سلوك اختياري تدفع الأخلاق وتحفز المثوبة في إطار تنظيمي تحكمه درجة القربة .
والواجب الثاني : مساعدة المسن في كل ما يحتاجه ، وهو سلوك أخلاقي رفيع يقوم به المسلم بماله ونفسه حسب استطاعته .
الواجب الثالث : الزيارة والتعهد ، وهو واجب معنوي لا تترتب عليه تكاليف مادية ، ولكن نراه كثيرا ما يثقل حتى على الأولاد تجاه آبائهم .
الواجب الرابع : الدعاء ، والمسن بحاجة إلى الدعاء له بحسن الخاتمة ، لما للدعاء من فضل معلوم ،
والحكمة من حض الإسلام على رعاية المسنين وتشديده على ذلك واضحة وجلية لكل ذي عقل ، فقد أسس الإسلام العلاقات بين الناس على قاعدة تبادلية متكافئة تقوم على مبدأ الأخذ والعطاء ( لك مثل ما عليك ) فكما كفل حق المسن في الرعاية كفل كذلك في المقابل حق القاصر في التربية والرعاية فالإنسان الذي أصبح اليوم قادرا مكلفا بهذا النوع من الواجبات كان بالأمس طفلا قاصرا لا يقوى على شيء أو يتيما منقطعا ، ولأن الشرع الإسلامي دقيق في أحكامه وتعاليمه لأنه شرع سماوي وأمر إلهي لا يغفل عن صغيرة أو كبيرة ، كما يمكن أن يكون في التشريعات والقوانين الوضعية فقد ضمن بهذا التشريع استمرار الرعاية الإنسانية بين أفراد المجتمع فكما كنت بالأمس مستفيدا من الرعاية حيث كنت طفلا فقد أصبحت اليوم مكلفا برعاية القاصرين من حولك من أطفالك ، والعاجزين الذين هم المسنون من حولك وأهمهم والداك ، وغدا تجد من يكفلك ويرعاك ، فكانت لك مرتان وعليك مرتان ، وفي هذا يتجلى العدل الإلهي الذي تستمر به الحياة في وتيرة طبيعية منطقية لا خلل فيها ولا زلل .
ولقد فطر الله في قلوب الناس عامة والمسلمين خاصة الرحمة والرأفة والعطف لتكون إطارا ومنطلقا للسلوك التعاوني وأعطى من التعليمات ما ينشط تلك الفطرة ، ويصقلها ، ويشجع على نموها وإنعاشها.


(هذه المقالة مجتزأة من ورقة مختصرة قدمت في كلية المعلمين في الأحساء يمكن الاطلاع عليها كاملة بالضغط هنا ).


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات