الطمأنينة .. إكسير السعادة البيتية .
مقال المشرف
الطمأنينة .. إكسير السعادة البيتية .




الطمأنينة حاجة نفسية إنسانية لا تستقيم حياة الإنسان ولا شخصيته بدونها ، فإذا افتقدها ظهرت عليه علامات سلبية ؛ كالسرحان ، والتخلف الدراسي ، والهروب إلى خارج المنزل مع أصدقاء السوء ، أو مجرد التسكع ، أو البحث عن التدخين والمخدرات بعيدا عن رقابة الوالدين ، بل والضعف الإبداعي ، وعدد من السلوكيات الرديئة ؛ كالسرقة والمخاوف والالتصاق المرضي بأحد الأبوين أو حتى بدمية أو لعبة .

 

وتظهر سلبيته أكثر كلما افتقد القلوب التي تحن عليه في حياته ، ضعفا وانطواء على الذات وتهربا من مواجهة الواقع . وهي أمراض مشينة انتشرت في كثير من البيوت المسلمة فأفقدتها سعادتها وراحة بالها ؛ فهذا يجلس على جمر الانتظار حتى عودة ولده بعد منتصف الليل لا يدري أين ذهب..!

وذاك تذهب به الهواجس إلى مسافات من الألم والحيرة بسبب تطاول ابنه المراهق عليه.. !

 وتلك لا يهنأ لها عيش وهي ترى ابنتها قد توسعت علاقتها بالصديقات وربما بالأصدقاء بينما تضيق ذرعا بأي حديث معها في المنزل ، وتتسع الفجوة بين البنت والأم ولا تضيق .. !

 

ويصعق الوالدان حين تأتي نتائج الولد في الثانوية مخزية مريرة ، وهو الذي كان ينال أعلى الدرجات في الابتدائية ، ويسقط في كف الوالدين حين يعلن الولد تمرده ، ورفضه لكل ما يريدان منه لنفسه من تخطيط للمستقبل ، واهتمام بالدروس..!

 

أعلم أنني شققت عن تلك الأبواب الموصدة على ما فيها من علل ، وأنني نكأت جراحا كثيرة ، بينما يتمتم كثيرون بالتحميدات المتواترة على ما من الله عليهم به من نعمة الاطمئنان ، والتربية الناجحة .

 

أيها الأبوان العزيزان .. لا بد من أن نجعل من البيت جنة فينانة بالرياحين ، لا بد أن تكون بيوتنا أجمل مكان في حياتنا بعد بيوت الله ، حتى نشتاق إليها ، ونحب الإقامة فيها أكثر من أي مكان آخر ، وليس الأمر بكثرة الماديات ووفرة التحف والأثاث الفاخر،  فلقد صرخت امرأة في وجوه من يغبطها على قصرها المبهر للعيون والعقول والأذواق وقالت بدمعة حزينة مقهورة : ليتني في شقة صغيرة ، على أن أجد فيها السعادة المفقودة بين هؤلاء الخدم والحشم ، إنما السعادة بما يتوافر فيها من عناصر معنوية رفيعة ، ميسورة التطبيق لمن أراد السعادة وضحى من أجلها .

 

وقد ذكر الداعية / الشيخ أحمد الصويان قصة قريبة العهد حيث قال : " كنت في رحلة دعوية إلى بنجلاديش، مع فريق طبي أقام مخيماً لعلاج أمراض العيون، فتقدم إلى الطبيب شيخ وقور ومعه زوجته بتردد وارتباك، ولما أراد الطبيب المعالج أن يقترب منها، فإذا بها تبكي وترتجف من الخوف، فظن الطبيب أنها تتألم من المرض، فسأل زوجها عن ذلك ، فقال - وهو يغالب دموعه - إنها لا تبكي من الألم .. بل تبكي لأنها ستضطر أن تكشف وجهها لرجل أجنبي , لم تنم ليلة البارحة من القلق والارتباك، وكانت تعاتبني كثيراً: أترضى لي أن أكشف وجهي..؟! وما قبلت أن تأتي للعلاج إلا بعد أن أقسمت لها أيماناً مغلظة بأن الله - تعالى - أباح لها ذلك للاضطرار، والله - تعالى- يقول: ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) ( البقرة : 173 ) .

فلما اقترب منها الطبيب، نفرت منه، ثم قالت: هل أنت مسلم؟

قال: نعم، والحمد الله!!

قالت: إن كنت مسلما.. إن كنت مسلما.. فأسألك بالله ألا تهتك ستري، إلا إذا كنت تعلم يقينا أن الله أباح لك ذلك.

أجريت لها العملية بنجاح، وأزيل الماء الأبيض، وعاد إليها بصرها بفضل الله - تعالى- حدث عنها زوجها أنها قالت : لولا اثنتان لأحببت أن أصبر على حالي ، ولا يمسني رجل أجنبي: قراءة القرآن ، وخدمتي لك ولأولادك " .

في مثل هذا البيت تفوح أزهار السعادة ، وتخضر كل طوبة ونافذة وصحفة ، فليس غريبا أن يعيش الجميع في أفياء السكينة والطمأنينة ، وأن يتربى الأولاد ذكورا وإناثا في محضن الطهر والعفاف والإبداع الفعال الباني لشخصياتهم .

 




تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات