رأي آخر .. في المكافآت التشجيعية .
مقال المشرف
رأي آخر .. في المكافآت التشجيعية .




من طبيعة الإنسان أنه يحتاج إلى حافز؛ ولذلك فإن الله تعالى الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، جعل الجنة والحسنات ورؤيته عز وجل ونحو ذلك حوافز لمزيد من العمل الصالح، وجعل ذلك متفاوتا بحسب العطاء والبذل والتضحية والمشقة والنية والاتباع.

ولذلك فإن الحوافز التشجيعية مهمة جدا في التربية الوالدية، ولكن ما هي وكيف؟

أما ما هي، فهي تلك التي تحفز الولد من الداخل، التي توقظ فيه كوامن طاقاته الإبداعية، التي تجعله يتعرف على الجانب الأعلى في ذاته، التي تصفي رؤيته لشخصيته من شوائب التردد والتبعية والإحباط، لا تلك التي تخاطب فيه ماديته، أو جشعه، أو أحاسيسه الدنيا، أو التي تربط إبداعه بثمن بخس دراهم معدودة.

الولد والطالب في حاجة ماسة إلى الحافز الداخلي الذي يجعله ينطلق إلى الإبداع والعمل المثمر لا لأجل موعود مادي ينتظره، ولكن ليحقق شيئا في داخله يريد الانطلاق إلى الوجود، هذا هو الحافز الذي ينمي روح العطاء والإخلاص والإبداع في نفسه.
المبدع يكفيه أن يبدع، بل هذا هو مرداه وسعادته وغاية رغبته، ولذلك فهو لا يأبه بالمشجعات المادية، ولا يعمل من أجلها مهما كان صغيرا أو محتاجا.

بل إن الحافز الخارجي من مكافآت وهدايا مادية حين تكون وعودا تسبق العمل تصبح سيوفا تتناوش الحركة الإبداعية في داخل المبدع الناشيء، تجعله يتحول من عليائه التي يحلق فيها بفكره المضيء الذي تنتظره الإنسانية بفارغ الشوق، إلى إنسان مصلحي كالآلة لا تعمل إلا بوقود مادي، وهنا يهبط إلى سفاسف الأمور، وربما تقتل المادة فيه روح الإبداع فيخسر نفسه وأهليته للإبداع.
فهل معنى ذلك أن الحافز الخارجي غير مجد، بل مضر بالتربية ؟

حين يكون وعودا محددة ومسبقة لعمل إبداعي لولد مبدع .. فنعم .. بكل تأكيد .
أما حين يكون هدية ومكافأة تأتي عقب العمل والإنتاج دون انتظار لها أو تخمين، فإنها تكون رائعة ومثمرة؛ لأن الإنسان بطبعه يحب التقدير، بل إن التقدير يجعله أكثر عطاء وبذلا، دون أن ينتظر عائدا ماديا لما يصنع.
ولكننا أمام حالة معينة يكون فيها الحافز الخارجي مؤثرا تأثيرا داخليا ، وهي حين يكون الولد يملك قدرات إبداعية جيدة، ولكنه أصيب بالوهن وضعف العزيمة، وكسل الإرادة، وقلة الرغبة، حينها يأتي الحافز المادي الخارجي المناسب لسنه، وللنتيجة المتوقعة منه نافعا لتحريك ما ركد، وتصفية ما أسن.

بقي أن أقول : إن الحافز لا ينبغي أن يكون ماديا دائما، بل إن الكلمة المنعشة للروح، والاعتراف بالإنجازات لأولادنا وطلابنا مهما كانت صغيرة، مكافئة للحجم الذي صدرت به، بل وإصدار أحكام تشجيعية على الولد مثل : أنت ذكي جدا، أنت رائع، أنت مبدع، لا تزال تبهرنا بإنتاجك، أتوقع أن تأخذ امتيازا بجدارة، أتوقع أن تسبق زملاءك في الفصل والحلقة، سوف تكون دكتورا في المستقبل إن شاء الله .. ومثل ذلك.

أولادنا ـ بعد توفيق الله ـ هم نتاج توقعاتنا نحن المربين، فإذا توقعنا لهم التفوق والعلو تعاملنا معهم بهذا الاعتبار، فوفرنا لهم سبل التقدم والإبداع، وإن توقعنا ضد ذلك، فسوف نناديهم بالأغبياء والضعفاء ، وسوف نقلل من البرامج التعليمية والتدريبية لهم، وسوف يكونون كذلك لأننا أسمعناهم ذلك، حتى صدقوا ولصقت بهم تلك الصفات المهينة . ولأننا صنعنا برنامجهم بحسب تقديرنا لقدراتهم.
إلا أن يتدارك الله أحدهم برحمته فيسخر له من غيرنا من يرفع همته، ويزيد من قدره، ويكتشف قدراته.

أولادنا وطلابنا أمانة في أعناقنا، من أجل أن نعدهم لما هو أعظم وأجل مما هو في مخيلة بعضنا.
هداهم الله ورباهم على الإيمان والتقوى والهمة العالية.




تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات