إنه لا يرى إلا عيوبي !
مقال المشرف
إنه لا يرى إلا عيوبي !


الجمال نعمة عظيمة من نعم الخلاق المبدع سبحانه ، وقد وزعه تعالى على الكون من حولنا فنالت الجمادات منه ما تفجرت به الأنهار ، وما تلونت به الآفاق ، وما تموجت به البحار ، وما اكتست به المروج ، بل نال الحيوان والطير والسمك ما يذهل الفؤاد ، ويأخذ بالألباب ، ولكن يظل الجمال الآدمي أرقى هذه الجماليات وأكثرها إثارة للإنسان .

ولذلك كان له قدر كبير من الاهتمام في قضية ( الزواج ) ، فحينما ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - اختيار الزوجة قال لأحد صحابته ( انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ) . وحينما عدد صفات الزوجة الصالحة قال : ( أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْه .. الحديث ) .

والأصل أن كل امرأة خطبت وفق هذه السنة التي غربتها بعض العادات والتقاليد هي امرأة حسنة في نظر زوجها ؛ لأنه اختارها بعد النظر إليها، وكل رجل في المقابل حسن في نظر زوجته ، ولكن الذي نغص على كثير من البيوتات السعيدة حياتهم ، وكدر علاقاتهم ، وغور ماء القناعة في أنظارهم ، فجعل أحد الزوجين يقل في عين الآخر ، هو النظر المحرم إلى الآخرين ، يقول الله تعالى: ( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ) .

فبينما الزوج مقتنع بزوجته مهما كانت نسبة جمالها ، يأنس بها، ويرتاح قلبه لها ، إذا به يفسح لعينيه النظر ، فيرى الممثلة الفلانية تستعرض عيونها الواسعة، وعدساتها الملونة ، وأجفانها المظللة ، ورموشها الرائشة ، ورأى مقدمة البرامج المتبرجة في قناة ثانية وهي تستميل القلوب المريضة بصوتها المتكسر ، وتحريك شفتيها الرقيقتين والتفاتة شعرها الأشقر، وتابع عارضة أزياء خليعة ، بقوامها الممشوق ، وملابسها البراقة، وجن وهو يذوب في صوت مطربة ما ، تملأ بصوتها أجواء سيارته وغرفته ، فماذا بقي لهذه المرأة العفيفة التي تقبع إلى جانبه ، تنتظر أوامره ونواهيه ، وتحرص على مواقع بصره وشمه وسمعه ، فلا تريه إلا أجمل ما رزقها الله ، ولا يشم منها إلا أعطر الروائح، ولا تسمعه إلا أحلى الكلام، وأنقاه ؟! ولكنه في المقابل لا يعيرها أي اهتمام ، بل ينظر إليها بازدراء ، فيزدري نعمة الله عليه ، وينتقص أم أولاده، ويتحسر أنه لم يستطع أن يحصل على مثل هذه أو تلك .

على أن ما يشاهده الناس في الفضائيات والمجلات الخليعة ، ومواقع الإنترنت على الشات وغرف الدعارة ، جمال مزيف ، لا حقيقة له ، وإذا كان حقيقيا، فإن من يتذكر واقع هؤلاء المتبرجات ليأنف أن تقع عليهن عينه، فضلا عن أن يعجب بهن.

وبسبب هذا الانفتاح الخطير باتت كثير من الزوجات يصرخن من الألم : ( إنه لا يرى إلا عيوبي .. يتحسر أمامي على أنه لم يجد المرأة الجميلة التي كان يحلم بها .. ليس لديه أي تقدير لي .. أتجمل لزوجي ولكنه لا يلتفت إلى لبسي أو طبخي وذبحني منه الصمت .. زوجي يضربني بمجرد الخطأ الذي يقع مني ولا يتفاهم معي .. وأخيرا تقول إحداهن : أنا أكره زوجي وأدعو عليه وأنا لا أتجمل له ، ولا أتزين له ، فهل علي ذنب ؟ وذلك لأنه يعذبني ) .
إنها ليست قضية أفراد وبيوتات قليلة ، بل هي كثيرة في المجتمع ، تمثل قلقا وعذابات لا حصر لها ، فإن الزوجة إذا لم تكن هانئة سعيدة ، فسوف تعدي المنزل بأكمله بنفسيتها الكئيبة .

وقد يقع العكس أحيانا ، بأن تمد المرأة عينيها إلى رجل آخر مهما كان صالحا أم طالحا، وتقارنه بزوجها ، فيبدأ العد التنازلي في مستوى حبها له، حتى تصل إلى الدرجة نفسها من عدم الرغبة الشديدة فيه ، وربما انهدمت بيوت بسبب علاقة مشبوهة بدأت بنظرة على الإنترنت أو في السوق ، والحوادث الواقعية أشهر من أن تذكر .

والسؤال الوارد هنا : لماذا لا نتعامل مع مزايا من حولنا كما نتعامل مع عيوبهم ؟ ( إذا كره منها خلقا رضي منها آخر ) ، بل لماذا لا ينظر أحدنا إلى عيوبه هو ، وأنه ليس كاملا ، وكما أن زوجه صابرة على بعض عيوبه ، فليصبر هو إذن على بعض عيوبها ، ثم إن كثرة هذه الشكاوى لتؤكد الدور الخطير المنتظر من مراكز التنمية الأسرية أو مشاريع الزواج ولجانه المنتشرة في ربوع بلادنا ، قبل أن تصل هذه المشكلات إلى الفصل النهائي في المحاكم ، ومن ثم تحطم البنية الأساس للمجتمع وهي الأسرة .




تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

عدم القناعة



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات