التطوع كيف نستثمره وكيف نحميه (2)
مقال المشرف
التطوع كيف نستثمره وكيف نحميه (2)







قد يكون للتطوع دور كبير في حل معضلة تراكم الديون البشرية، أعني البطالة التي أصبحت تشكل خطرا على البلاد، حيث أوضحت دراسة صادرة عن وزارة الداخلية، نشرت في صحيفة عكاظ (العدد 3464، 5/1/1432هـ)، بأن 90% من نزلاء السجون السعوديين عاطلون عن العمل، وأن 70% من هؤلاء العاطلين جامعيون تخرجوا في كليات التعليم العالي.

إن إشراك الشباب والفتيات في العمل التطوعي والخيري لا يقدم الحل السحري لمشكلة البطالة، ولكنه يسهم في تهيئة المنخرطين فيه للأعمال التي ينتظرون أن يشغلوها، كما أنه ينمي شخصياتهم ويصقلها، ويعطيهم من المهارات الحياتية ما لا يجدونه على طاولات الدرس، وفيه استثمار رائع لأوقاتهم، التي قد تشغل بما لا تحمد عقباه.

لقد هاج الفراغ عليه شغلاً
وأسباب البلاء من الفراغ

إن العمل التطوعي أشمل من أن يحصر في ميدان، فخدماته بعدد احتياجات الإنسان، وها هي ذي مجموعة من الخدمات تصطف في خندق واحد في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا. ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل) [صححه العلامة الألباني].
إن لأمتنا أن تفخر بهذا النص النبوي العظيم، أمام سيل من الفلسفات الشرقية والغربية، تثبت أن أهم أسباب السعادة السعي في إسعاد الآخرين.

وقد يواجه العاملون في المجالات التطوعية شبابا وفتيات، يتعاملون مع أدنى درجات التقدير الذاتي، ويعتذرون عن المشاركة الاجتماعية بمثل القول المأثور: “رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه”، بسبب تضخيم جانب الضعف في النفس، والنظر إلى الإمكانات الذاتية المتاحة أنها أقل بكثير مما يعرض عليها من مهام، فيكون هذا العذر جاهزا إلى درجة إهانة الذات والتقليل من شأنها .
حقا إن من الخطأ أن يبحث الإنسان منا عن مكان ما أو يرضى به وهو لا يملك أدواته، ولا تسعفه فيه مواهبه، وإنما ليحقق به كسبا نفسيا، وجاها اجتماعيا.

إن كثيرا من شبابنا وفتياتنا يعملون بالقليل من طاقاتهم، والباقي يهدرونه في جلسات فارغة، ونوم متدافع.. يطلب بعضه بعضا، وتذمر من الواقع الذي يعيشه بأي طريقة كانت ، وإدانة لكل من حوله بأنهم هم السبب في قعوده وعدم تفعيله، وقد يتطاول فيوجه سهام الحسد والحقد والانتقاد إلى كل من يعمل؛ بأنه أناني لم يترك لغيره فرصة ليعمل إلى جواره ، وأنه إنسان معجب بنفسه ولا يرى أن غيره قادر على ما يقوم به ، وأنه يبحث عن الشهرة ، وأنه .. وأنه ..
إن التطوع يقول لكل من يفكر بهذه الطريقة : إن هناك مكانا غير هذا المكان الذي شغله فلان وعلان؟ فاتركهم يعملون، واختر أنت مكانا آخر يكون فيه وجودك إضافة للحياة والمجتمع الذي تعيش فيه، وبهذا لن يكون عمل أحد ما تعطيلا لطاقة أخرى؟
إن النفس الإيجابية يصل بها الأمر إلى إبداع المكان الجديد للقيام بمهامه، لا إلقاء الآخرين في البحر كي يقوم صاحبها بدورهم، وربما أقل .. من يدري؟

إن الهروب من المواقع التي تتطلب مزيدا من العمل والجهد بأية حجة كانت هو هروب من المسؤولية الجمعية، التي ينبغي أن يتصدى لها كل فرد من المجتمع في مكانه اللائق به، دون هضم للنفس، ودون إقحام لها في غير ما خلقت له، فـ((كل ميسر لما خلق له))، كما ورد في الحديث الشريف.
حين علم ابني محمد أنني أقوم بإعداد هذه الورقة تطوع معي ووضع استطلاعا للشباب في أحد المواقع التي يكثرون من زياراتها.. سألهم فيه : هل تؤيد العمل التطوعي؟ فأجاب ثمانية فقط بلا، وأكثر من نصفهم بنعم (56%)، وست وثلاثون % بأحيانا.

وهو مؤشر واضح على رغبة معظم الشباب أن يكون لهم دور مناسب لجنسهم وطبيعة خلقهم، ولما يتمتعون به من مهارات وخبرات. وهو واجب وطني ألقي على عواتقنا نحن العاملين والعاملات في المجال الخيري، فقد فتح باب التطوع على مصراعيه، لندخل منه، ونستقطب له كل من نستطيع تفعيله، مع الحذر من كل ما قد يتلبس هذا العمل الجليل مما قد يرد مثله في التجمعات الشبابية غير المنضبطة بالدين والخلق، سواء الذكور أو الإناث.

شكرا لجمعية جود النسائية على رعايتها لإبداعات المتطوعين والمتطوعات في شرقية الخير، وننتظر المزيد.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات