وبقيت طوبة..
مقال المشرف
وبقيت طوبة..





لم يعد الحاج عبد الحميد ينصدم بما يستجد في مشاعر الحج كما كان يحدث له في أعوام سلفت، حين بدأت سلسلة المشروعات العملاقة تظهر على أرض الحرم وما حولها، بل أصبح يتوقعها وينتظرها، فهو منذ نحو ثلاثين عاما لم ينقطع عن الرحلة الإيمانية، ويراقب ـ بدقة ـ كل مراحلها، فهو يشهد المشكلة، ويتحدث عنها مع أصحابه بكل حب لهذا الوطن المقدس، ولهذه الأرض الغالية على حبيب الله تعالى، ويقترح الحلول بعقلية أنضجتها التجارب والإيجابية، وشخصية لم يعد لديها ما تعطيه للفشل، وإذا به يرى مقترحاته حقيقة مرئية مسموعة، وتقر عينه بتمتع وفود الكريم المنان بمعطياتها، وكأن الأرض المحدودة المعالم تتمدد كل عام لتقبل عددا أكبر، هو يعلم بأن ما قاله لأصحابه ربما لم يصل إلى صاحب القرار، لكنه يمثل العين الأمينة الحانية التي يمتلكها كل مواطن سعودي، يستشعر أن ملايين الحجاج ضيوف داره، يتمنى أن يعودوا، وقد قضوا مناسكهم، وأدوا فريضتهم، وهم في أيسر حال، وأسعد روح.

لقد شهد الحاج عبد الحميد كيف تحولت حفر الجمرات الطينية إلى عملاق يسد الأفق هيبة ومكانة، وكيف تحولت الطرق الترابية إلى شوارع حديثة، تسيل فيها أعناق البشر عالية الهامات، مطمئنة النظرات، تهتف بالتكبير والتحميد، لا تخاف هضما ولا ظلما، وكيف اتسع المسعى أضعافا مضاعفة، فلم يعد يحمل الحاج هم شئ اسمه (زحام)، وولت صور الدهس وتضاءلت حالات الإغماءات، وقلت ضربات الشمس، بل شهد تنامي الوعي الشرعي في مخيمات عرفات ومنى، فلم يعد يرى صور التجمعات الفارغة، المتسلية بالدخان والشيشة والاقتيات من لحوم البشر، بل أصبحت حلق علم، وقاعات محاضرات، وبرامج تطوير..
ورأى كيف تطورت الحركة المرورية حتى أدخلت كل وسائل النقل في أجندتها، وآخرها قطار المشاعر الذي أخذ يرسل خضرته يمينا وشمالا، ليقول بلسان الحال : إن القادم أفضل وأكثر، بإذن الله تعالى.

يرى الحاج عبد الحميد كل ذلك ، وهو يشكر المولى «عز وجل على» عطائه المتواصل المتدفق على مملكتنا الحبيبة، وهي تأخذ نعم ربها بيد، وتعطي بلاد الحرمين بيد، حتى أصبح الوصف أضعف من الواقع مهما كان بليغا، وكاد البناء يكتمل ، ولكنه يرى أن طوبة بقيت لم توضع في مكانها بشكل يتناسب مع هذا الإنجاز الهائل، هي طوبة (التوعية)، بكل ما تحمله هذه الكلمة من امتدادات، وبكل ما تتسع له من آفاق، ويرى ـ رعاه الله ـ أن الأموال التي أنفقت بكل سخاء وكرم تستحقه مشاعر الحج، ينبغي أن تصاحبها أو تعقبها أموال تنفق بسخاء وكرم تستحقه حملة احترافية تستهدف تأهيل الحاج للاستفادة من هذه الإمكانات الرائعة، وحماية الإنجازات من الاستخدام الخاطئ لها، وتحافظ على استمرار خدمتها لوقت أطول.
وحقا رأيت مقترحه هو الطوبة الأخيرة في هذا البناء المتنامي، ولا أريد أن أقول المكتمل، لأن ثقتنا في حكومتنا أكبر من أن نقول ذلك، فما توقف التطوير منذ وضع أبونا إبراهيم مع ابنه إسماعيل قواعد البيت على مدى قرون، وتضاعف في العهد السعودي، ولن يتوقف إن شاء الله..

ولكن الحجاج ومن يخدمهم من أجهزة الدولة، يحتاجون إلى توعية قبل أن يقدموا إلى الحج، وبعد أن يصلوا إلى المطارات أو المواقيت المكانية، ثم إذا دخلوا المشاعر، وينبغي أن تتسع دوائر التوعية بقدر اتساع اهتمامات الوزارات، لتتحمل كل وزارة ما يخصها، ومهما قالت الوزارات إنها تقوم بهذه الحملات منذ أمد طويل، فإن تواجدها في المشاعر لا يزال قليلا ومحدودا، وأثره لا يبلغ مستوى التطور الهائل في الإمكانات التي تضخ كل عام، وربما يحتاج الأمر إلى لجنة فرعية من اللجنة الكبرى، تستفيد من كل أشكال التواصل البشري، الجوال والفضائيات والشبكة العالمية والشاشات الضخمة، والمطبوعات بشتى أشكالها، ولن تزال التقنية تعطي مزيدا من القدرة على التواصل الفردي، أكثر من الجماعي، وهو ما يصلح للحج، ولعل رسائل الدفاع المدني في هذا الموسم أنموذج جيد، يصلح للاحتذاء.

لعل الحاج عبد الحميد ـ أدام الله حجه ـ يستطيب هذا الطرح الذي انبثق من حديثه العفوي المعجب أشد الإعجاب بما أنجز، حتى جعله يقول : أتمنى أن ينفق على التوعية بقدر ما أنفق على البناء..





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات