الطالب أديبا (4)
مقال المشرف
الطالب أديبا (4)






دربة الأقلام الواعدة

الطبع يحتاج الرواية والتثقف، و”على مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده، ثم إجادة الملكة من بعدها” كما يقول ابن خلدون في مقدمته. ومصطلح (الاستعمال) هو الذي سماه القاضي الجرجاني وابن خلدون: (الدربة)، فقال الأول: “إن الشعر علم.. يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه”، وقال الآخر:”... والملكات اللسانية كلها إنما تكتسب بالصناعة والارتياض في كلامهم”، فهذه الدربة تكسبه قوى جديدة، و قدرة على النفاذ في الصنعة، لا تتأتى له حين كان مبتدئا.
وإذا سلمنا بأن الشعر قد يورث الاستعداد له عبر الجينات، ونخضع لمن مثل ببيوت الشعر المعروفة قديما وحديثا، التي تعنقد فيها الشعراء، فإننا لا نستطيع أن نسلم بأن الوراثة كافية، فإن كعبا لم يرث الشعر من زهير كما ورث ماله، وإنما لازم الابن الأب، وقام الأب بتدريبه على قول الشعر تدريبا مقصودا حتى أبدع فيه، مستفيدا من طبعه، وذكائه الشعري، مارا بجميع الخطوات اللازمة؛ من رواية ودربة وتقويم.

ومن خلال الدربة تتكشف المواهب، وتتمايز، وتصنف، ويرى العلامة الأصولي الشاطبي رحمه الله تعالى قيمة التوجه إلى الغلام توجها مقصودا، بحيث تخاطب فيه جميع الميولات، لتختبر في بوتقة الفطرة، حتى قال “وفي أثناء العناية بذلك يقوى في كل واحد من الخلق ما فطر عليه، وما ألهم له؛ من تفاصيل الأحوال والأعمال، فيظهر فيه وعليه، ويبرز فيه على أقرانه؛ ممن لم يهيَّأ تلك التهيئة” وهي إشارة إلى أن الموهبة تموت في داخل الطالب حين لا تشبع التفاتا واهتماما وصقلا، كما فيه إشارة إلى معيار معرفة تفوق موهبة الغلام؛ بقياسه إلى أقرانه.
ثم يقول مستشرفا مستقبل الغلام من خلال بداياته: “فلا يأتي زمان التعقل إلا وقد نجم على ظاهره ما فطر عليه في أوليته، فترى واحدا قد تهيأ لطلب العلم، وآخر لطلب الرياسة، وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها، وآخر للصراع والنطاح، إلى سائر الأمور”.

ويلتفت الإمام الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ إلى الترتيب الذي نص عليه ربانيو العلماء، الذين كانوا يحترمون رغبة الطالب، واختياره الاتجاه الذي يميل إليه طبعه، فيقول: “فإذا دخل في ذلك البعض، فمال به طبعه إليه على الخصوص، وأحبه أكثر من غيره، ترك وما أحب، وخص بأهله فوجب عليهم إنهاضه فيه؛ حتى يأخذ منه ما قدر له؛ من غير إهمال له، ولا ترك لمراعاته” وهي إشارة إلى دور الأسرة في رعاية الموهبة الناشئة، ولكنه يظل يلاحق رغبة الطالب ويراقبها بدقة، فيقول: “ثم إن وقف هنالك فحسن، وإن طلب الأخذ في غيره، أو طلب به، فُعِلَ معه فيه ما فُعِلَ فيما قبله، وهكذا إلى أن ينتهي؛ كما لو بدأ بعلم العربية مثلا؛ فإنه الأحق بالتقديم؛ فإنه يُصرف إلى معلميها، فصار من رعيتهم، وصاروا هم رعاة له، فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما يليق به وبهم، فإن انتهض عزمه بعد إلى أن صار يحذق القرآن صار من رعيتهم وصاروا هم رعاة له كذلك، ومثله إن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر ما يتعلق بالشريعة من العلوم”.

وكان العلماء يبدؤون بالعربية، وقد ينتهون إلى غيرها، فهي عندهم علم آلة، توصلهم إلى غيرها، إذا لم يجدوا أنفسهم في إبداعاتها، فهذا الإمام الشافعي حين ولد بعسقلان بفلسطين، وبلغ سنتين، قررت أمه ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ العودة وابنها إلى مكة لأسباب عديدة منها: أن ينشأ على ما ينشأ عليه أقرانه، فأتم حفظ القرآن وعمره سبع سنين، ولحق بقبيلة هذيل العربية لتعلم اللغة والفصاحة، وكانت هذيل أفصح العرب، ولقد كانت لهذه الملازمة أثر في فصاحته وبلاغة ما يكتب، وقد لفتت هذه البراعة أنظار معاصريه من العلماء بعد أن شب وكبر، حتى الأصمعي وهو من أئمة اللغة المعدودين يقول: “صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس).





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات