الطالب أديبا (3)
مقال المشرف
الطالب أديبا (3)






مشكلات القراءة لدى الفتيان

كثيرا ما نلقي باللائمة على فتياننا بأنهم لا يقرؤون، ونحن محقون في هذا، ولكننا لم نكتب لهم ما يناسبهم، لا عددا يكفي، ولا مستوى يتسق مع مرحلتهم الذهنية، ولذلك سقطت ناشئة الفتيان بين كرسيين، في قضية القراءة الأدبية، فلا هم أطفال يستفيدون مما كتب للأطفال من أدب لا يزال قليلا، وإن كان دون المأمول، ولا هم كبار تكتظ المكتبات بما يناسبهم. «وكان على الفتى أن يطالع في أدب الأطفال وقد شب عن الطوق، أو يغوص في أدب الكبار ولم يقو على الغوص».

والمشكلة الثانية في قراءة الفتيان؛ ان ما يوجد في أسواق الكتب مما يضر أكثر مما ينفع، ولست مع المغالين في فسح المجال أمام الفتى والفتاة في قراءة كل ما يقع تحت أيديهم؛ بناء على مبدأ منح الثقة، وتشجيع الرقابة الذاتية، ويطلق هؤلاء المغالون مصطلح (الوصاية) على الرقابة العلمية والأخلاقية؛ ليشوهوا صورتها، فإن هذه مرحلة مبكرة لا تتناسب مع مرحلة النضج الانفعالي الذي تتطلبه قضية الاختيار الأمثل، المبني على أساس من التقوى والعلم؛ فقد ينزع الفتى إلى القراءة الجنسية باسم التثقف الأدبي، أو يغوص في الروايات البوليسية التي قد يستلهمها أفانين الإجرام، أكثر من انتفاعه بمجرياتها الذكية، وقد يقرأ كتبا تدعوه إلى أفكار منحرفة، وعقائد ضالة.

ومن مشكلات قراءة الفتى انه قد يختار كتابا يحتوي مضامين أعلى من مداركه؛ أو كتب بأساليب ينوء بمفاتيحها عقله، فيضيّع وقته فيه دون طائل, بل ربما أورثه السأم والملل من المطالعة، وهذا لا يعني أنه ليس في أدب الكبار ما يصلح لقراءة الناشئة، ولكن أنّى للناشئ أن يكتشف هذا الجانب بنفسه إذا لم يرشده معلم بصير أو مرب واع.
ومن المشكلات ـ كذلك ـ الإعراض عن القراءة الجادة، حتى لدى من لديهم بذور النبوغ والعبقرية الأدبية، فقد كشف أحد الإحصاءات أن الأوروبي يقرأ بمعدل 35 كتاباً في السنة، والإسرائيلي 40 كتاباً في السنة، أما العربي فإنّ 80 شخصاً يقرؤون كتاباً واحداً فقط في السنة. وإذا علمنا مأساة انصراف شبابنا عن القراءة والاطلاع، أدركنا سر قلة إقبال الطلاب على الأدب والكتابة الإبداعية، فإن كل إناء بالذي فيه ينضح.

ومن أسوأ ما يثير قلق المراقبين لرحلة الفصحى في العصر الحديث، ما يتعرض له الفتيان والفتيات من قراءات هادمة في الجانبين اللغوي والأدبي؛ في مضامين تافهة لا قيمة لها علميا، فإن المراقب ليذهل ـ حقا ـ حينما يحاول أن يتعرف على مصادر تلقي اللغة والثقافة العامة لشريحة كبيرة من طلابنا وطالباتنا، فمعظمهم يتلقون معارفهم (غير المدرسية) من الفضائيات الفارغة المحتوى؛ التي تركز على العامية في الدرجة الأولى، أو من الملاحق الفنية والرياضية في الجرائد والمجلات وحسب، أو من (المنتديات الشبابية على الشبكة العالمية)، لا يعنيهم ـ معها ـ أي باب آخر من أبواب المعرفة الجادة والنافعة المنشورة فيها، فيما هم بعيدون كل البعد عن شيء اسمه (كتاب)، فلا وجود لمكتبة داخل غرفهم، ولا يحتفظون أصلا بكتاب ولو كان مدرسيا أو جامعيا. ولا شك أن ذلك ـ لو استمر ـ فسوف يكون له دور خطير جدا في إقصاء الفصحى، وتبهيت الثقافة في مجتمعنا في الأجيال القريبة القادمة لا قدر الله.

نحن في حاجة إلى مشروع وطني ضخم للقراءة، بحيث يكون الكتاب في كل مكان، ويتحول إلى زاد دائم لا يقل أهمية عن الزاد الغذائي الطبيعي، ولنبدأ بالمدارس، بالطالب، الذي سيكون على رأس الهرم في كل دائرة في المستقبل؟!!

وأخيرا تبرز مشكلة الأحادية في الاختيار؛ حين نلمح بعض الناشئة يحب شاعرا أو كاتبا معينا، ويظل يقرأ له وحده، حتى يصبح صورة مشوهة له، بينما كان ينبغي أن يوجه لقراءة عشرات بل مئات الشعراء، ليكون نسيج وحدة، ويضيف إلى قائمة أدبائنا أديبا جديدا.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات