السياحة الجنسية
مقال المشرف
السياحة الجنسية








مصطلح قد لا تجده في قواميس السياحة، وربما لا تريد هيئات السياحة أن تضمه إلى مصطلحاتها، ولكنه موجود في الواقع وجودا مزريا؛ فمن بين ستمئة مليون سائح، يختار ستون مليون سياحتهم في أرذل أذيال السياحة، يقصدون فيها بلدانا طوقها الثالوث الثعباني؛ الجهل والفقر والدونية، فأصبحت مصبا لكل قاذورات العالم.

والطرفان يقتسمان زقوم المخلفات؛ فالسائح يدفع قوت أولاده؛ ليشتري به طبقا من الإيدز والزهري والسيلان، ويعود به إلى زوجته أولا، وربما لجنينها، أو لأولادها، وربما لزوج آخر في المستقبل، وربما لتأصيله في بلاده!! والطرف الآخر الذي تلقى نكد هذه السياحة باع إنسانيته، واشترى قوتا لجسد صار أرخص من التراب الذي يدوسه.
وجذور السياحة الجنسية تعود ـ في الطرفين غالبا ـ إلى الطفولة الأولى، حيث إن طفولة الإنسان كما يؤكد علماء النفس هي أهم مرحلة من مراحل حياته؛ لأنها المرحلة التي يتحدد فيها مفهوم هذا الإنسان للحياة ونظرته إليها، فإذا تعرض لخبرات مؤلمة اختل نموه النفسي وأصبح مهيأً للانحراف في أي مرحلة من مراحل حياته.

ويعد التحرش الجنسي من أكثر تلك الخبرات المفزعة أهمية وتأثيرا في مستقبل الإنسان، بينما هو من أكثر الموضوعات إقفالا؛ نظرا لما يسبب من حرج في الطرح، وحرج في الاستقبال، وبعث لما انطمر من ذكريات بائسة، بقيت آثارها، وكبتت نارها بين الضلوع، فراحت تحرق القلب والروح والجسد على مر الأيام والليالي.

ولذا تكمن الخطورة في بقاء الأثر حتى بعد البلوغ؛ إذ يظل الطفل يتذكر الموقف فتسيطر عليه مشاعر الكآبة وينخفض تقديره لذاته، وربما انخرط في بكاء شديد عندما يتحدث عن تلك الخبرة المؤلمة والمحرجة التي تعرض لها في صغره، وأسوأ منه حين يكون المعتدى عليها جنسياً (طفلة)؛ لأن ذلك سيؤثر مستقبلاً وبدرجة أكبر في اتجاهها نحـو الزواج والحمل وفكرة الارتباط بالرجل، وربما أثر ذلك حتى على مدى إقبالها على الحياة ذاتها؛ مما يجعل فكرة الانتحار واردة.

وإذا كان الإطـار الأساس لشخصية الفرد يتشكل خلال الخمس أو الست سنوات الأولى من عمر الطفولة، ولها أثر عميق في بناء قدرات الإنسان وتكوين شخصيته؛ فإن فرويد يؤكد بأن جميع اهتمامات الشخص البالغ وتفضيلاته واتجاهاته وضعت جذورها في مرحلة الطفولة.
ومن أجل ذلك كله؛ فإن من حق الطفل على الأهل أن يحموه من كل ما يسئ إليه، كما أن من حقه عليهم أن يبنوه بحسب قدراته، وحماية الطفل من الاعتداء عليه، هي حماية لمستقبله من الانحراف، وحماية للمجتمع من انحرافه، فقد أثبتت بعض الدراسات بأن 95% من المعتدين على الأطفال، و80% من متعاطي المواد الضارة (الكحول و المخدرات)، و80 % من الفارين من منازلهم، و78 % من السجناء تعرضوا للاعتداء في طفولتهم، كما أن 95 % من العاهرات تعرضن للاعتداء الجنسي في طفولتهن.

إن الطفل لا توجد لديه ميولات جنسية بنفس المعنى الذي عند الكبار، فإذا كانت لديه مثل هذه الميولات فهي ناتجة عن سلوكات منحرفة مورست معه أو أمامه.
ومثل هذه التصرفات تعد مؤشرات منذرة بالخطر، ينبغي البحث وراءها؛ حتى لا ينزج الطفل في هذه الطريق المهلكة، وللعلم فإن معظم الاتجار بالأعراض ضحاياه أطفال، فهناك مليون طفل سنويا ينضم إلى قافلة الضحايا في العالم!!

وحتى يكف أي مجتمع عن انزلاق بعض أفراده في هذه السياحة التي تفت في عضد المجتمع كله، وتفتت خلايا الأسرة وتشققها، فلا بد من إطلاق الحملات التوعوية، وبقدر حبنا لوطننا لا بد أن تكون قوتها، ونشارك في علاجه.
لقد جربت مثل هذه الحملات في عدد من دول العالم، فجاءت النتائج ناجحة مشجعة، حيث انتشر الوعي بين الأطفال بقدر أفهامهم بطريقة محببة لهم ، وصاروا يعرفون عدوهم من صديقهم، وكيف يحمون أنفسهم من العنف الجنسي": هذه هي الفكرة التي تأسس عليها مشروع وقائي في سويسرا عام 2007م، يحمل عنوان:"جسدي مِـلك لي"، كل ذلك للوقاية المبكرة مما يسمى: السياحة الجنسية.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

دام قلمك...



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات