كرسي العمل الخيري
مقال المشرف
كرسي العمل الخيري






لا يستغرب في البلاد التي يتقدمها ولاة أمورها في كل عمل خيري، أن تُشحذ همم الناس فيها للتنافس في آفاق البر، وأن تَبرز تلك الأعمال على أيدي أفراد، أو عائلات، أو مؤسسات تنفيذية أو مانحة.

أسرة مباركة، نبغ فيها كثير، ونفع الله بما أفاء على أهلها من أموال ـ كثيرا من خلقه، فلا تكاد تلتفت إلى عمل صالح قوامه المال إلا وجدت اسم الراجحي يخفق فوقه، ولا أظن أن هناك قرية أو هجرة لم تمتد إليها يد راجحي، فبارك الله فيهم وفي ذرياتهم إلى يوم القيامة.
ولامتداد هذا الخير العظيم، أسس الراجحيون عددا من المؤسسات الخيرية المانحة، كان منها مؤسسة عبد الرحمن بن صالح الراجحي وعائلته الخيرية، قامت على أسس متينة من العمل المؤسسي المتقن، وامتد خيرها في المنطقة الشرقية على وجه الخصوص، واستحقت ـ بجدارة ـ جائزة الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز لأعمال البر.
ولكون هذه الأسرة ترفض التقليدية في أعمالها، فقد انتحت منحى رائعا، شقت به للعمل الخيري طريقا جديدا، بات العمل الخيري في أمس الحاجة إليه، إنه تدشين كرسي لتطوير العمل الخيري في جامعة الملك سعود.

وارتباط العمل الخيري بالجامعات أمر أصبح من الضرورة بمكان، في الوقت الذي نجد فيها عددا من المؤسسات الخيرية واسعة الانتشار، ليس لديها لوائح، ولا استراتيجيات، ولا تسير وفق نظام محدد، وتشكو من ضحالة الدعم الفني والمادي، وهو بعض ما تملكه الجامعات.
إن الشراكة بين الجامعة والعمل الخيري ينبغي أن تكون ذات سمات خاصة تختلف عن غيرها من الشراكات، فبينما تمتلك الجامعات كثيرا من الطاقات الأكاديمية المنظرة، فإنها قد تحتاج كثيرا من الطاقات التنفيذية التي تمارس العمل الميداني بتلقائية ودافعية ذاتية بقدر ما هو متوافر في العمل الذي يحدوه الأجر والثواب. فيم نجد أن العمل الخيري يحتاج ـ من جانبه ـ الخبرات العلمية، والأبحاث التي تحدد أولياته، وجذور مشكلاته، والخطط التي تختصر عليه المسافات الطويلة جدا، بل وتقلل من حجم الإنفاق المالي الكثيف، الناتج عن عدم التخطيط الدقيق.

إن وجود كرسي علمي في جامعة نالت رقما في عداد الجامعات المتقدمة عالميا، يعطي العمل الخيري فرصة ثمينة للوصول إلى تحقيق أهدافه السامية بمستوى رفيع، عن طريق تطوير أدائه، وتفعيل الأبحاث التي تنتجها أقسام الخدمة الاجتماعية وعلم النفس والاجتماع وكلياتها في جامعاتنا السعودية.

لقد انتقل العمل الخيري من العمل الفردي إلى العمل الجماعي المؤسسي، فحقق إنجازات ضخمة، وبات لدينا نماذج مشرفة، لا تزال تتسلق قمة بعد قمة.
ولكن هذه المؤسسات لا تزال في حاجة ماسة إلى تأهيل أفرادها، تأهيلا إداريا من جانب، وتأهيلا علميا متخصصا في نوع الخدمة التي تمارسها، والجامعات هي التي تستطيع أن تقوم بهذا الشأن؛ لتوافر إمكانات بناء البرامج العلمية العليا، والشهادات المعتمدة فيها، إلى جانب طاقم هيئة التدريس المختص.

إن وجود الكراسي العلمية للعمل الخيري في جامعاتنا يجب أن يكرس ويمتد، ويتعدد، ويتخصص كل واحد منها في شأن من الشؤون، وينتج عنه دراسات مختصة حول تنمية الموارد، وتحديد الأهداف والأوليات، وتحسين صورة الجهة الخيرية، وتحقيق الجودة، وتحديد الأعباء الوظيفية لكل موظف، والمحاسبة، والإعلام الخيري، ودراسة معوقات العمل الخيري وسبل التغلب عليها، وعلاقة المستفيدين من كل الشرائح بالمؤسسات الخيرية، وابتكار مؤسسات جديدة، وإيجاد آليات لإدارتها، والتطوير الدائم للوائحها، والأمور التي تحتاج إلى تسهيلات خاصة من الدوائر الحكومية، وسبل الاتصال والتواصل بين الجمعيات وغيرها من القطاعين الحكومي والخاص، وبينها داخل إطار العمل الخيري؛ لإيجاد فرص التكامل، وعدم التقاطع.

إن ساحة العمل الخيري شاسعة، وقد نجحت في الغرب نجاحات جعلت من القطاع الخيري منافسا قويا للقطاعات الأخرى في تقديم الخدمات الأمثل للمجتمع، ومجتمع المسلم أولى بهذا النجاح؛ والنصوص الشرعية لا تحتاج إلى استحضار لكثرتها الكاثرة.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات