ولماذا أنشئ المركز ؟
مقال المشرف
ولماذا أنشئ المركز ؟

قال تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [سورة الروم 30/21].
إن حاجة الإنسان ليست محصورة في متطلبات الجسد من مطعم ومشرب ومسكن وملبس، وإنما له حاجات نفسية هي أعز عنده من تلك، وربما كانت سببا في فقره في كل تلك الحاجات الجسدية.
وكم تسبب الحرمان العاطفي في ضعف النفس وهوانها ، وفشلها وتخلفها ، وبطالتها وانحرافها . بل ربما تسبب في صناعة الجريمة ، وتفريخ الرذيلة .
ولذلك فإن الاستقرار الأسري هدف ينبغي أن يتخذه الغيورون على أوطانهم وأعراضهم شعارا يسعون لتحقيقه.
فمن رحم الأسرة المستقرة المستقيمة يخرج الإنسان الناضج ، الناجح في حياته، السوي في تصوراته ، المحب لدينه ولوطنه ، الذي يشعر بأنه جزء من الوطن فلا يؤذيه بنشر صور الإرهاب المتلبس بالدين أو بالمخدرات أو بالاعتداء على أعراض الآخرين أو ممتلكاتهم ، بل يرعاه بقلبه ، ويفديه بنفسه.
ومن خيمة الأسرة المستقرة يخرج الموظف الهادئ الروح ، الغزير الإنتاج ، المتقن لعمله ، المتسم بالمعاملة الحسنة لمراجعيه ورؤسائه ومرؤوسيه.
ومن كنف الأسرة المستقرة يخرج الأب الحريص على تربية أولاده على معالي الأمور ، وتسنم سلم النجاح.
وفي عشِّ الأسرة يتوحد الزوجان اللذان يحترم كل منهما الآخر ، ويتعاونان على صناعة السعادة في بيتهما في أجواء المحبة والمودة والرحمة والبناء للمستقبل.
لقد انطلقت جمعية البر في المنطقة الشرقية ، وجمعية البر في الأحساء في خدمة هذا المجتمع الطيب من شرائح إخوتنا المحتاجين ، والذين يلقون رعاية فائقة في كل مجالات الحياة ، لتتسع دائرة البر فيهما لكل شرائح المجتمع بلا استثناء، فجاءت فكرة إنشاء مركز التنمية الأسرية، الذي يحاصر أسباب الفقر في مهدها؛ ليضيق عليه خناق الاتساع والازدياد المطرد ، وينطلق إلى الأسرة بكل فئاتها الاقتصادية ؛ فيقدم خدماته النوعية للفقير والغني ، ساعيا إلى تثبيت دعائم خيمتها الضافية ، بثلاثة أساليب علمية :
الأول : الإنماء ؛ حتى نبقى ننشد الكمال ، وإن لم نصل إليه.
والثاني : الوقاية ؛ حتى لا ننتظر المرض ليحدث فنتعب ونضاعف الإنفاق لعلاجه، وقد قيل درهم وقاية خير من قنطار علاج.
والثالث : العلاج ؛ وذلك بالبحث عن المشكلات في مكامنها ، وبذل الجهود المتواصلة لعلاجها ؛ قبل أن يقع طلاق ، أو جنوح ، أو نشوز ، أو جريمة.
ومن خلال دراسة المجتمع في المنطقة الشرقية والأحساء تبين أن نسبة الطلاق أخذت تزداد في الفترة الأخيرة؛ حتى أصبحت تمثل أكثر من ربع حالات الزواج ؛ فهي تنذر بخطر جسيم ، ينبغي السعي الحثيث للحد منه.
إن الطلاق قد يؤدي إلى الفقر ، وإلى الانحراف ، وإلى الجنوح والجريمة ، وإلى الخلافات المستعصية بين الأسر حول الأولاد والنفقة والحقوق ، وإلى الانكسار النفسي والاكتئاب ، وإلى العنوسة ، وإلى النظرة الانتقامية للمجتمع كله، وإلى التأخر الدراسي، ومن ثم التخلف الوظيفي، ومن ثم البطالة، إلى أمور كثيرة في غاية الخطورة.
ولذلك فإنه مهما بذل في سبيل الحد منه من الجهد والمال فإنه سيكون استثمارا حقيقيا للموارد البشرية والمادية من جانب ، وحفاظا عليها من جانب آخر.
إن عددا من التجارب المثيلة لهذا المركز الناشئ في بعض مدن المملكة والخليج ، تشير إلى جدوى المشروع العالية، حيث بلغت نسبة حل المشكلات قبل وقوع الطلاق إلى 70% ، ولله الحمد والمنة.
وإن التجربة القصيرة جدا التي مر بها المركز في الأشهر الماضية ، تشير بوضوح إلى تقبل منقطع النظير من المجتمع كله لفكرته ، فالمختصون في المجالات الشرعية والقضائية والاجتماعية والنفسية والتربوية من شتى المؤسسات الحكومية قد أبدوا فرحة كبيرة بالمركز، وتعاونا رائعا ، دفع المركز للاستفادة من كل الخبرات ، فكون فريق عمل داخلي يحمل مؤهلات عالية وخبرات تراكمية متميزة كل في الزاوية التي تسلم مسؤوليتها، وفريق عمل مدرب للاستشارات الأسرية، وفريق عمل معتمد في التدريب الأسري، وفريق عمل من علماء البلد وفضلائها ووجهائها لإصلاح ذات البين ، وفريق عمل ذا إبداعات ملونة للبرامج العامة. وأقبل أهل المعروف كل يجود بما يستطيع ويملك ، وإن كنا لم نقارب حد طموحنا بعد ، ولكنا يصح في هؤلاء وهؤلاء قول الشاعر :

خل إذا جئته يوما لتسأله *** أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا


يخفي صنائعه والله يظهرها *** إن الكريم إذا أخفيته ظهرا


إن هذا المركز يتميز بين أمثاله بأنه يجمع بين التوعية الاحترافية ، وعلاج المشكلات الأسرية بوسائل متقدمة ، والدراسة المختصة للمجتمع للوصول إلى معرفة دقيقة بأدوائه وأسبابها لعلاجها. كل ذلك في إطار واحد؛ لتكتمل الطريق للوصول إلى أسرة سعيدة آمنة.
في كل يوم ـ أيها الأحبة ـ يعيد المركز امرأة إلى زوجها وأولادها ، ويُفشل مخطط الشيطان بإقناع رجل أن يعدل عن تطليق امرأته ، ويتحاور مع شاب خرج عن طاعة أهله والتحق بصحبة سوء ليتداركه قبل أن ينحرف ، وينفس عن مُعَّنى أكله الهم والضجر، ويحفظ عرضا ، ويصون شرفا ، بسرية تامة ، وينشر خضرة السعادة في القلوب بكلمة هادئة ، أو محاضرة جادة ، أو برنامج تدريبي متقن أو مطبوعة أنيقة ، أو شريط إبداعي ، أو مجلات أسرية تخاطب كل فرد في الأسرة حسب سنه ، أو بمهاتفة استشارية عبر كبائن الهاتف الموحد الذي نسعى إلى دعوة جميع مشاريع المملكة الأسرية إلى تبنيه، أو عبر الإنترنت ، أو عبر الحضور الفعلي.

ازرع جميلا ولو في غير موضعه***ما خاب قطُّ جميل أينما زرعا


ليس المقام مقام تفصيل ، ولكنها إشارات لعمل لتوه في لفافات المهد ، كل يوم تنطلق منه يد أو قدم ليكتمل النمو بإذن الله ، وهاأنذا أراه من وراء سجف الغيب يقف على قدميه شابا طموحا متزنا بإذن الله
وعونه وتوفيقه.

ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.



تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات