الهمة تقود إلى القمة
مقال المشرف
الهمة تقود إلى القمة





إن الهمة العالية هي العمود الفقري لكل إنجاز نحب أن نحققه في حياتنا، ورأس ذلك العبادة المحصنة، وطلب العلم هما أجل ما نتقرب لخالقنا سبحانه، يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه وهو على فراش الموت .. يعلمنا فيم تستحق الحياة أن تعاش، يقول: "اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر" وقد كان يعيش في دمشق فعلا بهمته عما فيها من مغريات وجمال.

وهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله يروى عنه الإمام ابن القاسم أنه كان يأتيه لطلب العلم قبل الفجر، فيجد منه انشراح الصدر، يقول: فتوسدت مرة في عتبته فغلبتني عيني، فنمت، و خرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركلتني سوداء له برجلها وقالت لي: مولاك لا يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة أي العشاء.

وقد تحسر ابن الجوزي رحمه الله على قوم "يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، و هم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة، وهي تجري وما عندهم خبر، ورأيت النادرين قد فهموا معنى الزمان، وتهيئوا للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، و البدار البدار قبل الفوات ونافسوا الزمان" انتهى كلامه رحمه الله.

إن طلاب العلم بكل صنوفه، مطالبون بالحفاظ على أوقاتهم، لأنها ليست ملكهم، بل ملك أمتهم، فعليهم استشعار المسؤلية العظمى المناطة بأعناقهم، وليعلموا بأن الدقيقة التي ترحل من بين أيديهم لا تعود مرة أخرى، و هي خزانة من خزانة من خزائنهم يوم القيامة، فليملأوها بالخير ليجدوها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فإنهم إن يذروها فارغة كانت على البعيد حسرة و ندامة، وإن ملئت بالشر فيا فداحة الخسارة، ويا خزي الموقف؟!
لقد كان للنووي كل يوم اثنا عشر درساً، وكان يقول: "وبارك الله في وقتي" وكلنا نعلم كيف ألف خلال عمره القصير من المؤلفات المباركة، مما لا يكاد يخلو منه مسجد أو بيت مسلم كالأربعين النووية، وشرح صحيح مسلم ورياض الصالحين ونحوها.

إن تنمية الهمة الذاتية والرقي بها أمر مطلوب، ويتأكد ذلك عند علماء الأمة ومفكريها ودعاتها ومعلميها وأهل الاختصاص النافع فيها؛ كالطبيب والمهندس وكل من في يده مهنة ينفع بها أمته وبلاده؛ وهذه جملة أمور تساعد على تطوير الهمم بإذن الله تعالى:

أولاً: المجاهدة: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" فالمجاهدة أولاً لتحصل الهداية.
وهل سيحصل الإنسان على مطلوب نفيس وهو متقاعس خامل، يكثر النوم والأكل والفسحة بين الملاهي.
ثانياً: الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله تعالى، فهو المسئول سبحانه أن يقوي إرادتنا ويعلي همتنا و يرفع درجاتنا.
ثالثاً: اعتراف الشخص بقصور همته، وأنه قادر بإذن الله على أن يكون من أهل الهمة العالية، فالأمثلة التي ضربت من قبل.. بشر من لحم ودم مثلنا.. ونستطيع أن نكون مثلهم.
رابعاً: قراءة سير السلف الصالح من أهل الجد والاجتهاد والهمة العالية الذين صان الله بهم الدين، ففيهم القدوة الصالحة.
خامساً: مصاحبة صاحب الهمة العالية، إذ كل قرين بالمقارن يقتدي، والنظر في أحواله و ما هو عليه، وكيف يختصر له الزمان اختصاراً.

ومن أسباب الحصول على الهمة العالية الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يضيع الزمان، ويبعثر الهمم؛ كالإكثار من الزيارات بدون هدف مرموق، والانهماك في الدنيا وملذاتها، وكثرة التمتع بالمباحات والترف الزائد، والانصراف الكلي إلى الصوارف الأسرية التي لا تنتهي، فمرة يذهب بأهلة إلى السوق، ومرة إلى التفسح، ومرة لقضاء الحوائج، ومرة لزيارة الأقارب والجيران، وهكذا دون وعي بأن هذه الأمور وإن كانت مباحة بل بعضها من الواجبات والصلات، ولكنها يجب أن تكون في حدود المعقول.

و هنا أحذر أهل الهمم من أن يغتروا بكثرة المفرطين من الناس، وما يسمع عنهم من صرف الوقت كله فيما يقطع الحياة دون فائدة.
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد 57/20]".






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

الهمة تقود إلى المعالي
ضيافتك تتوق إليها الصفحات
نريد ان نرتقي ولكن.........سنرتقي



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات