طريق التربيع والترعيب .
مقال المشرف
طريق التربيع والترعيب .






رائع جدا أن نصنع السياحة المناسبة لطبيعتنا، التي تلبي احتياجاتنا، وتتناسب مع قيمنا وعاداتنا، وتتسق مع الظرف الزمني والمكاني، وتزيد من شغفنا ببلادنا، والتصاقنا بأرضها، بدلا من الهروب الجماعي إلى الخارج؛ الذي يمارسه بعضنا كلما هتف هاتف الإجازات ؛ صغرت أم كبرت؟

ولعل (النعيرية) أنموذج متميز للسياحة الوطنية، التي اعتمدت على الأصالة والعراقة في صناعة السياحة في ربوعها؛ فلم تلبس لبوسا شرقيا ولا غربيا لتجتذب السياح، بل حافظت على شخصيتها، وعمقتها، وكثفت المناشط التي ترسم ملامحها في مخيلة الزائرين، حتى أصبحت محط أنظارهم، ووجهة تدفقهم في مثل هذا الموسم بالذات، بل أصبح لدى عدد من الأفراد والأسر ومجموعات الأقران عادة سنوية لا تفارقهم، تظل تلح عليهم حتى يلبوها بـ(التربيع) في تلك الربوع الآهلة بالكرماء.

لقد امتزجت الكلمة الطيبة، والمهارة التدريبية، والمسرح الهادف المرح، وإرث البلدة؛ من صيد الصقور ، وما يتوق إليه الشباب من المسابقات الشعبية، وسباق الفروسية، ونادي السيارات، والطيران الشعبي، والألعاب النارية، والدبابات، والإرث الشعبي من المنتجات التراثية، والسوق الأهلي، وما يحبه أهل البلدة وضيوفهم من الشعر والشيلات والعروض الفنية الرجولية، كل ذلك في إطار مهرجاني واحد، يجعل لكل زائر فرصة الاستمتاع بما يحب.
والرائع أن فريق العمل المؤمن بما يعمل والشغوف بما يقدم يحظى بقيادة مباشرة من محافظ النعيرية الأستاذ سليمان بن حمد بن جبرين رئيس اللجنة العليا المنظمة للمخيم الربيعي الثامن، الذي يمتلك حماسة واعية، ورؤية بعيدة؛ لتطوير المحافظة، وتأهيلها لتكون قادرة على الجذب السياحي من جانب، وعلى تكامل الخدمات في ربوعها لأهلها والمقيمين فيها؛ في ظل التحفيز والتشجيع المستمرين من صاحب السمو الملكي أمير الشرقية حفظه الله لكل المحافظات والمراكز والهجر.

كل هذا الجمال النفسي الذي يتنامى في نفسك وأنت بين ذراعيها الحانيتين، يجعلك تقرر فورا: سأعود إليك مرة أخرى، في فسحة من وقتي؛ لأشبع نهمتي، فما ازددت إلا ظمأ إلى هذا السحر الصحراوي اللذيذ.

ويبقى الهاجس المخيف في طريق العودة ينغص هذه اللذائذ، فأما أهل الشرقية السالكون طريق الدمام عن طريق أبو حدرية إلى النعيرية فلا خوف عليهم ـ إن شاء الله تعالى ـ ولا هم يحزنون، فالطريق سالكة، ومزودجة، ومؤمنة، والأمان بيد الله عز وجل، وأما السالكون طريق وادي المياه، المارون بالصرار وأخواتها، فهم في خطر عظيم، وهي الطريق الأكثر ازدحاما؛ لأنها مختصرة، وتمثل شريانا حيا، يرده حتى المتنقلون بين المملكة وبعض دول الخليج.

نعم لم أر في حياتي طريقا جمعت بين كل هذه المساوئ:

أولا: الطريق مفردة في أكثرها، وضيقة جدا، فاحتمال القبلات القاتلة بين السيارات الصادرة الواردة ورادة، ولو تأهب وتنبه واستعد واستبسل أحد السائقين في قيادته، فإنه لا يأمن روغان مقود صاحبه المقابل له؛ حين تأخذه سنة أو نوم.. لا قدر الله.
ثانيا: تخلو هذه الطريق من بصمات المرور، فلا رادار، ولا أمن طرق يحدون من السرعة الهائلة التي يتجول بها الشباب.
ثالثا: السفلتة قديمة، ومتشققة، والمطبات الصناعية تذكرنا بجبال الهملايا، وأكثرها لم يلون، بل يتفاجأ به القادم، مع وجود بعض اللوحات المحذرة من وجودها.
رابعا: التحويلات التي تفاجئ القادم، فلا أضواء كافية للتنبيه، ولا انسيابية فيها.
خامسا: الجمال تسرح وتمرح، وغالبها من ذوات الألوان السمراء التي تختفي عن الأنظار في سواد الليل الكثيف، ولا سياج يحمي البشر.
سادسا: محطات البنزين تذكرنا بمحطاتنا قبل ثلاثة عقود، فهي كئيبة، تنقصها الخدمات العامة، وبعضها ذو مضخة واحدة فقط، ويبدو أنها ليست تحت الرقابة المالية!!

من حق كل الوافدين من جميع أنحاء المملكة لهذه البلدة الربيعية الجميلة أن يجدوا الطريق آمنة سالكة، بل ممتعة، لأنهم جاءوا للاستمتاع، للتربيع وليس للترعيب، للاسترخاء وليس لشد الأعصاب والتوتر، ولعل الذاكرة الاجتماعية للنعيرية، والسيارات المحترقة على جوانب الطريق المرعبة تقدم شهادات صادقة على ما أقول.

إذا كانت وزارة المواصلات قد أعلنت عن مشروع ينهي هذه المأساة، فهذه المقالة لبعثه من درجه، إلى الواقع الذي ينتظره، قبل أن يقدم الناس مزيدا من الضحايا.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات