رأيت في استانبول (1) .
مقال المشرف
رأيت في استانبول (1) .





الأجواء الصيفية الرطبة، والظل البارد، والشمس القريبة المحرقة، والنسائم العليلة في وسط الظهيرة، تتصارع في نهار استانبول، الذي كان يضرب به المثل؛ فيقال: «ليالي هجر ونهار استانبول». فهل بقي هذا المثل صامدا بشقيه، أم أن التحولات الجوية قد بدلت وغيرت فيهما!!

أخذت رابطة الأدب الإسلامي العالمية بخطام طائرتنا إلى هناك، إلى مضيق البسفور، إلى الشاطئ الحالم، الذي ترفرف عليه فراشة مزهوة بألوان الطيف، تسمى: استانبول، أو (إسلام بول) كما أحب فاتحُها أن تسمى؛ لتكون مدينة الإسلام والسلام. وبوابة العالم (GATE TO THE WORLD) كما يحب أن يسميها أحفاده.

تداعت في خاطري رؤى غائمة، لم تستطع أن تجد لغة موحدة لتعبر بها عن مكنوناتها، لقد رأيت.. وتأملت.. وعشت أسبوعا ممزوجا بالغبطة، والفرح، والحزن، والأمل..

رأيت عظمة هذا الدين الذي استطاع به آل عثمان أن يحكموا العالم الإسلامي قرابة خمسة قرون من الزمان على ما كان في التطبيق من خلل، وعلى ما في الممارسات الإجرائية من علل.
أحسست بأن التاريخ الإسلامي قد اختزل، وجمع من أنحاء عالمه، وحنط في متحف طوب كابي، الذي احتوى الأمانات النبوية كما يسميها الأتراك، وبضعة آثار من الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم.
رأيت كيف تثلمت سيوف أجدادنا، وشحبت، وهي تدافع عن دينها، وتنشره في الآفاق، وكيف بقيت سيوفنا تلمع وتبرق كلما سنحت لها فرصة أن تخرج من أغمادها لتلعب في أيدينا!!
رأيت كيف تحول جامع (أيا صوفيا) إلى متحف، يرتاده الناس كل الناس، وبأي لباس، ليشهدوا كيف كان محمد الفاتح ـ رحمه الله تعالى ـ يحسن الظن بأحفاده، حين أمر بستر صور العذراء وعيسى كما يدعي رساموها بمادة بنائية، ولم يأمر بتكسيرها، فإذا بالمادة تزال، وتنكشف الصور على الأسقف، والجدران، التي كانت منقوشة عليها حين كانت كنيسة، وبينها تظهر أسماء الخلفاء الراشدين والحسنين، محراب ومنبر، صلبان وصور!! شيء مؤلم.. والأكثر ألما أن يصمت في الجامع المهيب صوت الأذان، وتوأد فيه الصلوات!!

رأيت مدينة أجمل ما يمكن أن ألقبها به: مدينة المآذن؛ فلا تكاد تمر بشارع إلا والجوامع العملاقة، والمآذن الشامخة، تتربع فيه على أعز موقع منه.. والأجمل من ذلك هو أنك ترى جمهرة من الناس يتركون أعمالهم، ومشاغلهم، ويفدون إلى بيت الله قبيل الأذان، دون أن يسوقهم أحد سوى داعي الإيمان في قلوبهم، ويصفون بين يدي الإله العظيم صفوفا متتالية، يؤدون صلاتهم في أجواء روحانية عالية، كم كنت أتمنى ألا تكون البدع قد غزتها، حتى حولت شعائر الصلاة إلى طقوس؛ كثير منها ما أنزل الله بها من سلطان! لكن اللافت للنظر هو الإعداد الاحترافي للإمام والمؤذن، حتى ليبدو أنهم جميعا قد تخرجوا في معهد واحد، وهي تجربة أتمنى أن نستفيد منها، مع الاختلاف الكبير في المناهج.

ورأيت في استانبول كيف تتشكل الثقافة المحلية لعموم الشعب، بحيث تصبح قومية منغلقة، غير قادرة على التفاعل الكافي مع الثقافات الأخرى التي تتعرض لها تفاعلا إيجابيا، لقد تفاجأت بأن معظم الناس ـ حتى الشباب ـ لا يعرفون اللغة العربية ولا اللغة الإنجليزية، ويبدو أنهم لا يعرفون غير لغتهم، وأن الحياة تركض بهم بعيدا عن التناغم مع الزائرين تناغما يجعل الزائرين يحسون بأنهم مقبولون لديهم، وأنهم ليسوا مجرد سائحين، أو مصدرا من مصادر تنمية الموارد للبلد، فإذا بأخلاق الناس تتبدل قبل الشراء عنها بعد الشراء، أو بعد إبداء عدم الرغبة في السلعة مباشرة إلى إعراض سريع، وتجهم، حتى تكاد تكون هذه الحالة ظاهرة، لا تخطئها كلما التمستها!!

ورأيت في استانبول كيف يتحول الشعب كله صغيره وكبيره إلى إنسان يعمل، ويكد قوته بعرق جبينه، ولو ببيع كسرة خبز، أو حبة ذرة، أو تنظيف محل.. لم أجد مكانا للعيب في العمل أبدا، الشيخ المسن، والمرأة العجوز والشاب المتحفز للحياة.. لا مانع لديه أن يجر عربة، أو يحمل متاعا، أو يكنس الشارع، ويجمع مخلفات الناس.
ورأيت شبابا طموحا، قد علق أحدهم لوحة هدفه على جدار قلبه، وبذل كل وقته لتحقيقه، لا ليعيش لنفسه صغيرا، ولكن ليعيش لوطنه ولأمته كبيرا وعظيما.
ورأيت كيف انتشر الحجاب الإسلامي حتى عم الشارع التركي، ولولا السياح لما رأيت سافرة إلا قليلا.

ورأيت كيف انتعش الحس الإسلامي في عموم الناس، حتى أصبح الإسلام هو النظام الذي يحلم معظم الشعب بأن يحكم به في كل شؤونه.
ورأيت أمورا كثيرة تعلمت منها.. وأمورا أحببت أن أنقلها إلى وطني الحبيب أرجئها إلى مقال آخر إن شاء الله تعالى.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

استانبول



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات