الدعاة والأزمات المعاصرة (4)
مقال المشرف
الدعاة والأزمات المعاصرة (4)





(السفن آمَنُ ما تكون وهي في المرفأ، ولكنها لم تصنع لذلك)، والرجال آمن ما يكونون في بيوتهم، ولكنهم لم يخلقوا لذلك، ومن أراد أن يكون له في التاريخ بصمة، وفي الأمة أثر فلا مناص من عمل بلا كلل ولا مَنٍّ، بل لا راحة حينذاك، ولا بخل بتضحية، ولا إصغاء لهمسات التردد..

والداعية الموصول قلبه بالله تعالى سيبقى مع صناع التاريخ في ركب أوله آدم، وآخره آخر رجل يشهد شهادة التوحيد قبيل انطواء الأرض بأمر الله جل جلاله، لن يرضى بأن يعيش على هامش التاريخ.
يقول أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: "من استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله، وإن قوما جعلوا آجالهم لغيره، فنهاهم الله أن يكونوا أمثالهم {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر:19].

من لي بمثل ابن باز؟! هذا الإنسان العظيم، الذي مات وملايين الأيتام والدعاة والفقراء والمستفتين وطلبة العلم ينتظرون حركة شفتيه، وبسطة كفيه، ولم يغرَّه أن الأمة تلهج بذكره، وتخفق أفئدتها بحبه، كان له عند ولاة الأمور شأن عظيم، وتقدير كبير، وله عند بسطاء الناس حب لا يشترى بملء الأرض ذهبا وفضة، ولكن هم الدعوة هو هاجسه، وشفقته على المدعوين هي التي تؤرق جفنيه، وتوري النار بين أضلاعه، لم يثنه منصب ولا جاه عن قول الحق لمن يحتاجه، في حكمة وموعظة حسنة، ووسطية وبعد نظر، وحب كبير للمنصوح؛ يقول الأستاذ أبو عبد الرحمن بن عقيل: كتبت مقالا فيما لا يسر، فلما كنت بين يدي الشيخ عبد العزيز بن بازرحمه الله، أخذ ينهرني ويردد: ما أعظم مصيبتك عند الله! ثم صار يبرم طرف شماغه ويدعو لي، وقد اغرورقت عيناه، فتمزق فؤادي حزنا لصدقه، وقد فتح الله قلبي لنصحه، وتقلص حب الغناء وتولدت لدي كراهيته.

حقا إن صدق النية وحسن المقصد لدى المحتسب له أثر كبير في القبول والتأثير. والعالم العالم هو الممتلئ بعلمه وفضله، الذي صبغه العلم بجماله وكساه برونقه، قال رجل للشعبي: إن فلانا عالم، قال: ما رأيت عليه بهاء العلم، قيل: ما بهاؤه؟ قال: السكينة: إذا علَّم لا يُعَنِّف، وإذا عُلِّمَ لم يأنف.

الأزمات المعاصرة التي تتقاطر، وأحيانا تتساقط، وأحيانا ترجف بالناس رجفا، لم تترك لداعية عذرا أن يترك ميدانا يستطيع أن يجري فيه خيل الدعوة إلى الله إلا فعل، في بلاد ينص النظام الأساس للحكم في مبادئ الدولة: "تمثل الدعوة الإصلاحية التي قامت على أساسها الدولة السعودية الركيزة التي اعتمد عليها الحكم فيها، و تقوم تلك الدعوة على أساس إقامة شرائع الإسلام و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و تطبيق مبـادئ الشريعـة الإسلاميـة، وإصلاح العقيدة و تنقيتها من البدع، وهي بذلك تستمد مبادئها من المبادئ الإسلامية الصحيحة التي كانت سائدة في صدر الإسلام".

نعم ليس له أن يتعلم ثم يقعد، أو يستنكر الخلل ثم يكتفي بحوقلة واسترجاع، وقد جرى من النعم بين أيدي كثير من الدعاة اليوم ما لم يجر مثله بين أيدي غيرهم، فكان جديرا بهم أن يعرفوا حق الله عليهم فيها، ففي السنة الصحيحة: "إن لله أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم". [حديث حسن، سلسلة الأحاديث الصحيحة م 4/:264]. فأين ذهبت نعمة الخطابة، ونعمة الجاه، ونعمة القبول، ونعمة الوقت، ونعمة الصحة، ونعمة العلم، ونعمة المال، {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم 34].

نعم .. الداعية ابن بيئته الخاصة (أسرته)، وبيئته العامة (مجتمعه)، ولكنه ـ أيضا ـ ابن دينه ووطنه، دينه الذي لا يعفيه من مسؤولية المشاركة في معالجة أية أزمة تستجد، بطاقته وتخصصه، ووطنه الذي ينتظر منه أن يترجم حبه له إلى عمل، ودعوى الوطنية إلى مشروعات كبرى تسهم في زرع الأمن والرخاء والنماء في ربوعه الفيحاء.

والأمة كلها مسؤولة عن الروح التي ترفرف بين جنباتها، فـ"إذا كانت روح الأمة قوية استطاعت أن تطبع الأفراد بطابع قوي لخدمتها، والتفكير فيها، والعمل لخيرها، وإذا كانت روح الأمة ضعيفة قويت روح الأنانية في الأفراد، ولم يفكروا إلا في أشخاصهم" كما يهتف بكل صراحة ووضوح الكاتب الكبير أحمد أمين رحمه الله تعالى، والدعاة أبرز من ينفخون الروح الكبيرة في كيان الأمة، أو .. يخنقونها إذا نحوا المنحى الآخر!!






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

لله درها من كلمات



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات