الدعاة والأزمات المعاصرة (3)
مقال المشرف
الدعاة والأزمات المعاصرة (3)








العمل لوجه الله تعالى ليس أمرا سهلا، بل يحتاج إلى مجاهدة عظيمة، وبخاصة إذا كان العمل مشاهدا من الناس، بل يستحق الثناء منهم، لأنهم في حاجة إليه، قيل للإمام أحمد بن حنبل: هل تعلمت هذا العلم لله؟ قال: "أما لله فعزيز، ولكن شيء حبب إلي ففعلته"، تواضعا منه واحتقارا لذاته، وما كان لعلمه أن يكون لغير الله وقد شرق في الأمة وغرب، وأصبح منهج ملايين المسلمين إلى أن يشاء الله تعالى، ولكن ما كان له أن يجزم بنيته، وأمر النوايا كلها لله تعالى. ولعل هذا معنى قول بعضهم: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله". وقد نقل (مهنا) صاحب الإمام أحمد أنه قال: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته. قيل فأي شيء تصحيح النية ؟ قال ينوي أن يتواضع فيه وينفي عنه الجهل.

وهذا شأن الدعوة إلى الله تعالى، في الزمن الذي تفتحت بين يدي الدعاة فرص مغرية لم تكن متاحة لهم ولا لغيرهم؛ كالفضائيات، ومواقع الشبكة العالمية، والأثير الإذاعي، والصحافة. والشهرة فتنة، وقد يقع الداعية في فخها؛ فهو يبدأ داعيا إلى الخير ونفع خلق الله تعالى، وفي وسط الطريق، وبين مخالب الأضواء المطلية بألوان (المناكير) الخلابة، يجد نفسه سائرا في اتجاه آخر، هو ذاته، ودليل ذلك أنه لا يشارك إلا حيث يلمع، لا حيث ينفع، بل ربما نسي الله تعالى فنسيه، فهو دائم الحديث عن فلان من الناس الذي يقربه ويثني عليه، وعن علان الذي يذكره ويرفع من شأنه، حتى يرى عزه معه، فيذله الله تعالى.
إن الدعاة اليوم مدعوون إلى أن يتجردوا من النظر في أعطافهم، ويعلموا أن الأزمات العالمية كلها أقفال مرتجة، تحتاج مفتاحا واحدا هو بين أيديهم، فالإنسان لا يمكن أن يجد فرجا لأزمته إلا حين يعود إلى خالقه.

وإذا كان التجرد والإخلاص والخروج من قمقم الذات هو المخرج من أزمة الداعية الذاتية إلى الأزمات العالمية، فإن من أبرز ما يكسب الإخلاص للنفس العنيدة، المتشهية لثناء الخلق، المعتزة بغير الله تعالى، هو (الخبيئة)، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل"، ذلك لأن عمل السر يرفع صاحبه ويقيه التعثر وينفعه أحوج ما يكون إليه، قال الحسن: "لقد أدركت أقواما ما كان أحدهم يقدر على أن يسر عمله فيعلنه،قد علموا أن أحرز العملين من الشيطان عمل السر". وعمل الدعاة إذا ركن إلى الطاقة البشرية وحدها صار مثل غيره، وغيره أشد قوة وأكثر دغدغة للنفوس المترفة الباحثة عن المتعة والدعة، وهنا سيكون التأثير الأكبر للأكثر قدرة ومساحة وتلوينا وإبهارا في العرض.

إن خفاء العمل الصالح طريق سحر القلوب، وإقبال الخلق، وهما وسيلتا الداعية الناجح، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "القلوب الصادقة، والأدعية الصالحة هي العسكر الذي لا يغلب"، فهو يشعر أنه في حاجة إلى جنود وعسكر ليتم رحلته الدعوية البناءة.
والمعول الهادم للعمل إذا تم، هو الإعحاب بالعمل، إنه ـ عقيدة ـ يحبط العمل، وـ نفسا ـ يوقف التدفق والعفوية ويقنع بالقعود. كان مطرف بن عبد الله يقول: لأن أبيت نائما، وأصبح نادما، أحب إلي من أن أبيت قائما، وأصبح معجبا أرى نفسي على النائمين.

الداعية قوي بالله تعالى وحده لا شريك له، ولذلك فهو يسعى للالتجاء التام إلى الله ـ سبحانه ـ في جميع مراحل الحياة، و"الاطراح على عتبة عبوديته، اطراح الفقير الكسير وهو طريقة الأنبياء عليهم السلام وقوتهم ومفتاح دعوتهم، لذا امتازت دعوتهم بطابعها الروحي والإيماني ـ كما قال أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى ـ والرسول صلى الله عليه وسلم "كان إذا حزبه أمر صلى" حديث حسن.

قال ابن القيم رحمه الله في (عدة الصابرين:1/121): "ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله، وأكثر الدينين (أي المتدينين) لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ولرسوله ولعباده ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه، فهذه الواجبات لا يخطرن ببالهم فضلا عن أن يفعلوها). كلمات شديدة، ولكن دعاة اليوم في حاجة ماسة إليها وإلى أمثالها.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات