الدعاة والأزمات المعاصرة (2)
مقال المشرف
الدعاة والأزمات المعاصرة (2)









إن في الناس رجالا صالحين، ونساء صالحات، يحافظون على الفرائض ويكثرون النوافل، ولكنهم انكفأوا على ذواتهم، فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، تراهم جادين نشطين في أعمالهم الدنيوية، ولكنهم لا يحركون ساكنا مع قريب قد ضل، ولا جار أضاع صلاته، ولا زميل عمل تاه في غياهب المعاصي، ولا زوج يسوم زوجته سوء العذاب، والناس بل حتى ذووهم متعطشون لمواعظهم ونصحهم ودعوتهم ، ولكنهم مشغولون بأحوالهم الخاصة لا يرعون غير ما يصلح دنياهم، ويعذرون أنفسهم بما يقدمون من طاعات، تاركين واجبا عظيما من أهم واجبات الدين خلف ظهورهم.

والناظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد غير ذلك، فقد كانت حياته دعوة إلى الله تعالى، وقد سخر كل جوانبها لله تعالى ولنصرة دينه، وحرض أصحابه وعلَّمهم أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سمة هذه الأمة، وميزان أمنها وأمانها، ألم يقل الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ويقول تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}. وقد ذكر في سيرة إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله أنه لم يفق الناس بزيادة صلاة ولا صيام، ولكن ببذله زمنه وحياته لتعليم الناس وإفتائهم.
وإذا كان أصحاب المواهب في الناس قليلا من كثير، فإن واجب الدعوة على هؤلاء يكون أخصَّ وأكبر، إذ عليهم أن يخصوا دعوة الله مما أفاء الله عليهم من هذا الخير الوافر، وأن يسخروها لتكون كلمة الله هي العليا.

إنه إذا كان واجب الدعوة إلى الله يزداد ويتأكد على أهل العلم الشرعي، ومن هم في مستوى قريب منهم، فإن كل مسلم يستطيع أن يبلغ دين الله بحسب جهده، فرسولنا صلى الله عليه وسلم فتح لنا أبواب ذلك فقال: ((بلغوا عني ولو آية))، فأي المسلمين لا يحفظ آية من كتاب الله؟!
إن الأمر يحتاج من كل فرد في المجتمع إلى جهد يبذله بسخاء نفس، وتضحية بجزء من الوقت والعلم والمال، وليبدأ بالعشيرة الأقريين، وأصحاب العمل، والجيران، وكل من نستطيع أن ننصحهم وندعوهم إلى الخير.

لقد انتشرت أدواء غريبة، تواضع كاذب، وكسل قاتل، وسأم ممل، ويأس محبط، وخوف من الفشل، وتردد مؤدٍ إلى العجز، أمراض مردية، تفوت أجر العمل في وظيفة الأنبياء والمرسلين، وهي الدعوة إلى الله.
ومن أراد أن يتزود لهذا الطريق الطويل، فليقرأ سير العظماء من السلف الصالح ليجد من النماذج ما يوقد همته، وليخالط أهل الهمم ليتأثر بهم، وليستشعر أنه إنما خلق لعبادة الله، وتحقيق هذه العبودية يستلزم تعبيد الخلق ـ كذلك ـ له تعالى . وليكثر من ذكر الله، ومن النوافل؛ من صيام وصلاة، فإنها الزاد إنها الزاد.

ومن رغب أن يمتهن هذا المهنة العظيمة تعلم العلوم الشرعية وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يظل متوازن الخطا، لا تستزله حماسة إلى التنطع في الدين، والغلو فيه، ولا تستزله الدنيا فيتساهل في أوامر الله تعالى، متفهما فقه الأوليَّات، ولا يدفع منكرا فيتسبب في منكر أعظم منه.

ومن تكون نيته الخير فإن الله معه، ولن يتره عمله، وقد حظي بوعده: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}. ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله في إخلاص الداعية: "والإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". و"إذا أقبل العبد على الله أقبل بقلوب عباده عليه" كما يقول محمد بن واسع رحمه الله. وقد يخفي الإنسان ما لا يرضاه فيظهره عليه ولو بعد حين، وينطق به وإن لم يشاهده الناس، وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جوابا لكل ما أخفى من الذنوب، كما يقول ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ سترنا الله بستره الجميل ما حيينا.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات