حاجتنا إلى التنمية الثقافية .
مقال المشرف
حاجتنا إلى التنمية الثقافية .







تبدو المأساة كبيرة جدا حين نستشف حجم الثقافة المعرفية والقيمة الحضارية في عقول جيلنا المعاصر، الجيل الذي عاصر التطور الهائل في وسائل التقنية المعلوماتية، حيث تسير المعلومة بكل أبعادها، وكل صنوفها، في ركب الفرد أينما سار.

المعلومة الثقافية أصبحت تطير بين يدي الفرد تنتظر عينيه أو أذنيه أو حتى حسه ليتفضل باختيارها والتقاطها، فلم يعد يوجد ما كان يسمى ـ قبلُ ـ لم أجد المعلومة، بل تأتي على كف عفريت قبل أن يرتد طرف الإنسان إليه!!
فالمشكلة في الضعف الثقافي لدى شريحة كبرى من جيل اليوم ليس في عدم توفر المعلومة، ولكن في انتقائها، وتمثلها في الحياة.
والانتقاء والتمثل يعودان إلى قضية إنسانية هائلة، تحدد مستقبل الفرد، وتمثل مستقبل الأمة؛ تلك القضية هي تحديد الهدف من الحياة.
فحين يغيب الهدف عن عيون الفرد, أو يتشوش، أو يؤثر الإعلام والواقع المتخلف في الأهداف، فالنتيجة ـ حتما ـ هو بقاء الحال على ما هو عليه، على أقل الضرر، في أمة نامية، تتطلع للنهوض، بل تحلم بالريادة!!

وتحديد الهدف لا يأتي إملاء على طلائع الجيل الجديد، ولا إرغاما لهم، بل ينبغي أن يأتي طواعية ورغبة شديدة، تنطلق من داخل الفرد؛ ليحقق ذاته من خلال توجه علمي محدد، يقوده إلى عمل يأخذ بمجامع قلبه، ليسهم به في بناء المستقبل الفردي والوطني، والأممي.
ومجريات التفكير، وحركة النفس الداخلية، والمتغيرات التي تحيط بالإنسان، والبيئة التي تربى فيها، كل هذه مؤثرات خطيرة في اختيار الهدف، وتوجيه الحياة.
قل أن تجد صاحب مهنة إلا ترى مهنته قد سرت ولو في واحد من أولاده، بشكل أو بآخر، وقل أن تجد مجتمعا ما يعنى عناية كبرى بأمر ما إلا وجدت الشباب يتوجهون إليه، لماذا يتخرج معظم الشباب الياباني مهندسين؟ ولماذا ينتحر الآلاف منهم على بوابة الدخول في الجامعات إذا لم يحققوا نتائج كافية لتحقيق هذا الهدف؟ ولماذا يتجه الشعب البرازيلي إلى كرة القدم بحيث يستحيل أن تمر في شارع من شوارعهم دون أن ترى من يحمل كرة، أو يرتدي بزة رياضية، بل أصبح سوق البزات الرياضية من أكبر أسواقهم؟ ولماذا تضيع هوية معظم الشباب العربي بين هذا وذاك، ويحار في تحديد الهدف الذي من أجله يكافح، ويحقق نجاحه في الحياة؟!

اسأل الشباب ـ ما شئت ـ عن أهدافهم في الحياة؟
سوف تصدم مثل ما صدمت.. إنهم يتفاجأون بالسؤال؛ لأنهم لم يفكروا فيه أصلا، وحين تصر على أن تسمع منهم، سوف تجد معظم الإجابات صدى لما يسمعون وما يشاهدون وما يمارسون!!
ستجد واحدا يقول لك: أريد أن أكون طبيبا، وواحدا: أريد أن أكون مهندسا، وواحدا: عالما، وواحدا: داعية، وواحدا: مديرا، وخمسة: أريد أن أكون لاعب كرة!!
أمة يريد نصف شبابها أن يكونوا لاعبي كرة، أي مجد تنتظره؟

حين تتحول الوسائل إلى أهداف!
حين يصنع الإعلام من الرياضة وسيلة إغراء وتمزيق انتماء وهدف حياة، أي معنى بقي لها؟!
هل يلعب الشباب ليقووا أجسادهم لتكون أكثر كفاءة لطلب العلم وبناء المستقبل وحماية الوطن؟
أم يلعب الشباب ليكونوا لاعبين!!
أم لا يلعب الشباب.. وإنما يظلون في المدرجات وأمام الشاشات ليصفقوا ويصرخوا وربما ليخربوا في نهاية المباريات! ثم نسميها رياضة!!

إن قوة الثقافة الذاتية أو هشاشتها تنكشف حين تُغير أية مادة إعلامية من ثقافة أخرى على المجتمع في شكل كتاب أو فيلم أو مسلسل أو فضائية إخبارية موجهة، على مجتمع ما، فإن رفضها، وتحصن ضدها، فهو يتمتع بقوة ثقافية كافية، سوف تنطبع على أمنيات شبابه وطموحاتهم الراقية، وإن رأيت الانطراح بين يدي تلك الكتب والشاشات في استسلام تام لما يكتب وما يقال، ثم رأيت الحياة الفردية تتأثر بذلك كله، فاعلم أن هذه الأمة نعيش في فترة اضطراب شديد للهوية على مستوى الجيل الجديد، بل في مرحلة خطرة في مراحل اهتزاز الثقافة الخاصة بها، والتي تعني اضطراب المفاهيم، واضطراب المثل والقدوات، بدرجة تقبل أن يتقدم (ممثل ساقط لا يعبأ بقيم ولا أخلاق)؛ ليكون المثال الذي يحتذى، والإنسان الأوحد الذي يأخذ بالعقول والألباب!!

الخواء الروحي، والضعف الثقافي، يهدد مستقبل الأمة كلها، وإذا لم نتدارك الأمر، فقد نجد أنفسنا ليس في مؤخرة الركب، ولكن خارج إطار الحلبة تماما!!





تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات