ثقافة الصورة .
مقال المشرف
ثقافة الصورة .








لم تعد المواد الإعلامية العالمية في منطقة العرض، بل انتقلت منذ أكثر من عشر سنين إلى منطقة الفرض، ففي السابق كانت وسائل الإعلام تعرض منتجها ويمكنك الاختيار، ولكن التطورات التقنية الهائلة التي حدثت في شتى المجالات منحت الإعلام القدرة على فرض ما يريد, مما أثر تأثيرا خطيرا في الاتجاهات العقدية والثقافية والاجتماعية، من خلال اللجوء إلى ثقافة الصورة بدلا من ثقافة الكلمة.

يرى (جون لوك غودار) أن خطاب الصورة يحتوي على جانبين متعارضين ومتكاملين, هما الجانب الدلالي,أي ما يقال والجانب الجمالي, أي ما يتضمنه الخطاب دون قوله بشكل مباشر, بل هو منغرس في ثنايا الخطاب, ورموزه الموحية، ومن هنا فإن احتلال الصورة مكانة في التواصل البشري أهم من الكلمة, كان إحدى نتائج تقدم الاتصال عن طريق الفضاء، واحتلال الأقمار المكانة الأولى قبل الأوراق، في أحداث هذا التواصل, وبفضل هذا التطور ومن خلال القنوات وشبكات الاتصال أصبحت الصورة, المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد.

ولك أن تتأمل معي كيف أصدرت المحكمة العليا في أمريكا عام 1915 م حكما ينص على رفض منح السينما والصور المتحركة الحريات الدستورية نفسها التي منحت فعلا للصحافة، حتى قالت: "لكنها أيضا قادرة على الشر، ولديها القوة على ارتكابه، وربما قوتها الأعظم بسبب جاذبيتها وطريقتها في العرض".

إنه اكتشاف مبكر للأثر الخطير للصورة المتحركة على المشاهدين، جعل الأمريكان يهرعون إلى إنشاء شركات عملاقة، تقوم بنشر الثقافة الأمريكية في العالم؛ حتى وصلت اليوم إلى ما يسمى بالعولمة، وهو في حقيقة الأمر الأمركة، تحت شعار النظام العالمي الجديد، الذي أعلنه الرئيس بوش الأب في حرب الخليج الأولى.
وهو ما أكده العميد الركن المهندس سبأ بن عبد الله با هبري في دراسة له حيث قال: "تمكنت السينما الأمريكية من ترسيخ المجتمع الأمريكي ، وقيمه وأسلوبه في الفكاهة والترفيه، من خلال انفرادها بالسيطرة الكاملة على إنتاج أفلام الكارتون الهزلية لفترة طويلة، ... حتى نشأ جيلان على الأقل في مختلف أرجاء العالم ، متأثران بما حملته فنون الكارتون، من أخلاقيات ومثل، وإن كانت متوارية في قالب الفكاهة)).
وهو ما فعلته شركة (هوليود) العالمية، والتي لا تزال تتربع على عرش السينما العالمية، وتصدر إنتاجها القائم على تمجيد الرجل الأمريكي، والشعر الأشقر، ومفردات الثقافة الأمريكية بحلوها ومرها، وتقنيتها وعنفها.

ولنا أن ندهش ـ كيفما أردنا ـ كيف رفضت هيئة الإذاعة البريطانية B.B.C عرض مسلسل أمريكي مشهور مثل افتح يا سمسم عام 1981م ؛ لأنه يحمل إلى أطفالها قيما غريبة عن مجتمعها.
لقد عرفت هذه الأمم مدى الأثر الخطير الذي يتركه الفن والأدب الذي يحمله في الأجيال اللاحقة، ونقل قيم الأمة إلى غيرها من الأمم، فراحت تحاول أن تؤطر لفنها، وتضع المعايير لما ينشر أمام أعين شعوبها.

والآن وقد تبين لعدد كبير من علماء الأمة ودعاتها أن الصورة أصبحت بكل تقنياتها وأنواعها ثقافة شاملة، تتداخل مع الحياة في كل مناحيها، فانطلقت مشروعات دعوية كثيرة تقوم بهذا الدور، من فضائيات، وإذاعات، ومواقع على الشبكة العنكبوتية، استطاع قليل منها أن يتقدم في سلم الإبداع الفني، والذي من أسسه التي لا يساوم عليها الإبهار، وإذا لم يصل إليه فإنه لا يزال يتخطى على أرض الإبداع.

لكن معظمها لا يزال دون المستوى المنافس لتلك الأعمال الاحترافية التي تراكمت خبراتها، ورفدتها الاكتشافات والمخترعات، والتي ليس أمامها أية حواجز أو ضوابط؛ فكل شيء ممكن ومشروع في عرفها، من أجل الوصول إلى الهدف المحدد بدقة؛ بينما تقوم الأحكام الشرعية بضبط تلك الأعمال الفنية ولا سيما في قضيتي المرأة والمعازف؛ لتحول دون تضرر الإنسان ودينه بإطلاق الحرية في استخدامهما، ولكن ما كان ينبغي أن تكون موقفة له؛ في الزمن الذي يمضي الآخرون كالبرق؛ يخطف الأبصار والألباب.







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات