هكذا تكون المدرسة !
مقال المشرف
هكذا تكون المدرسة !






إن أسلوب النقد والبحث عن الثغرات في أعمال الآخرين لا ينتج بقدر تقديم النماذج العليا الناجحة في المجتمع لتحتذى ، وإذا كان من واجبنا أن نصارح المقصرين بأخطائهم ، فإن من واجبنا كذلك أن نقول للمحسن أحسنت ونشكره على إحسانه.

دعيت إلى حضور مهرجان ثقافي بمناسبة اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية لعام ‏2000م ، ليس من ناد أدبي ، ولا من صرح جامعي ، ولا من جمعية ثقافية ، بل من مدرسة ابتدائية ، فإذا بي أمام كيان متكامل الشخصية ، تستحق معه ( مدرسة الإمام مسلم في الهفوف ) أن تُقَدَّمَ أمام مثيلاتها بل أمام المدارس التي تتقدمها مرحلة دراسية أنموذجا يحتذى .

والمدرسة الابتدائية وهي البيئة الأولى التي تستقبل الطفل بعد أن يغادر عالم المنزل ، هي من أكثر البيئات الخارجية تأثيرا على سلوكه ، ولذلك فإن الأمة التي تريد أن تنهض بمستقبلها لا بد أن تعنى بهذه البيئة أكثر من غيرها ، وكما يقول علماء النفس : إن (( المدرسة التي تعمل على تربية الشخصية من جميع نواحيها المعرفية والمزاجية والخلقية ، وتضع في برامجها من نواحي النشاط الاجتماعي والعمل ، وما يتفاعل مع شخصية الطفل كلها هي التي تستطيع أن تحدث تغييرا ملموسا في تكوين الشخصية )) [ النمو النفسي للطفل والمراهق للدكتور محمد مصطفى زيدان : 243 ].

وهذا ما رأيته في هذه المدرسة ، فهي إلى جانب عنايتها الفائقة بالتعليم المنهجي حيث تضع لذلك الأساليب المبتكرة ، والوسائل التعليمية المتطورة ، وجداول المتابعة الدقيقة ، فإنها تعنى بالنشاط الروحي بالتوجيه الديني المتوازن ، وبالنشاط الرياضي بمختلف الألعاب التي هيأها مبنى المدرسة المتميز ، وبالنشاط العقلي بسلسلة من البرامج الثقافية ، والزيارات المكتبية لمعارض الكتب أو المكتبات العامة ، وبالنشاط الاجتماعي الذي تمثل في النادي الاجتماعي الذي يقوم بزيارات ميدانية لعدد من المواقع الأثرية والصناعية والزراعية والمؤسسات الاجتماعية ، وزيارة المرضى في المستشفيات ونحو ذلك .

وأتجاوز الأنشطة الأخرى لأفصل في النشاط الثقافي ؛ فبمجرد دخولك المدرسة تشعر أنك أمام عمل صحفي متميز ، فالجدران تزدان باللوحات الخطية والفنية التي تحمل إرشادات تربوية وعلمية في أثواب مبتكرة ، ترغمك على الوقوف لتأملها ، وتدلف إلى الداخل لتجد أمامك معرضين للطلبة : أولهما لرسوم الأطفال ، وثانيهما لأشبال الكشافة ، وهي أعمال فنية أنجزها الطالب أمام أعين أساتذته ، وليس من إنجاز الخطاطين والرسامين أو أولياء الأمور كما يحدث في كثير من المدارس بنين وبنات .

وتحاول المدرسة أن تستفيد من إمكانات المؤسسات الأخرى ، فهي تعرض الأفلام التعليمية بمشاركة أرامكو السعودية ، وتقوم ببرنامج تعليمي مهني يكسر حاجز الحياء من المجتمع من مزاولة الأعمال المهنية بالتعاون مع المعهد المهني ، وتقيم معرضا للكائنات الحية المحنطة بمشاركة كلية الطب البيطري ، وتفسح المجال أمام المؤسسات الوطنية لتسهم في تبني بعض أنشطتها .

وأما المسابقات الثقافية فهي المرآة الحقيقية لما وصلت إليه هذه المدرسة من تقدم باهر في مجال التربية الثقافية العالية ، فمسابقة لحفظ كتاب الله تعالى ، وأخرى لإتقان المناهج التعليمية ، وثالثة للإنشاء والتعبير ، ورابعة لتلخيص الكتب ، وخامسة للرسم، وسادسة للمساجلة الشعرية ، وسابعة للأناشيد ، وثامنة للقصة القصيرة .. إلخ .

هذا إلى جانب تشجيع ملكة الإلقاء ، وتنمية الشجاعة الأدبية في نفوس الطلاب وغرس الثقة في نفوسهم ، بتنمية هواياتهم الشخصية في نادي الهواة ، وإصدار عدد من النشرات التربوية المخرجة بعناية فائقة ، عن طريق النادي الأدبي في المدرسة ، وتعزيز شخصيات الأطفال عن طريق برامج نادي براعم الإيمان ، والذي يشمل النشاط الإذاعي والصحفي والمسرح والمكتبة والإعلام التربوي .

أما حفل التخريج ـ كما يحلو للمدرسة أن تسميه ـ فهو أنموذج مصغر لحفلات التخريج الجامعية ، حيث يدعى له كبار المسؤولين في المؤسسات التعليمية ، وتقدم فيه برامج خطابية من أهمها كلمة الخريجين ، ويرتدي الطلبة الزي الوطني ( البشت والغترة والعقال ) ، ويتدفقون أمام الحاضرين في مسيرة بديعة ، وتوزع شهادات التهنئة ، في مشهد رائع قد تفشل الكلمات في التعبير عن كل مشاعره .

ولعل من أكبر أسباب هذا النجاح : التشجيع الذي تلقاه مدارسنا في هذا الصدد من قبل ولاة الأمر ، والذي يصل إلى زيارة هذه المدارس ، ومباشرة التوجيه ، ثم إصرار وزارة المعارف على العناية بإقامة الأنشطة غير المنهجية ، ومتابعة ذلك من إدارة التعليم في المحافظة ، ثم إيمان إدارة المدرسة بجدارة هذه الأنشطة بكل هذه الأوقات والأموال التي تصرف فيها .

ولا شك أن حجر الزاوية هو المدرس الجاد الذي يهوى النشاط الطلابي ، ويتمتع بشخصية ابتكارية متوثبة ، (( كي يستطيع أن يستقبل ويتقبل ابتكارية تلاميذه، وينمي ويعزز هذه الابتكارية لديهم . وتشير نتائج البحوث إلى أن المدرسين ذوي الابتكارية المرتفعة يستثيرون الأصالة لدى تلاميذهم بدرجة أكبر مما يفعل زملاؤهم ذوو الابتكارية الأقل )) [ سيوكلوجية المراهقة للدكتور إبراهيم قشقوش : 214 ] . ولعل مدرسة الإمام مسلم حظيت من ذلك الشيء الكثير ، والبيئة النشيطة لها تأثير نفسي كبير في دفع كل من فيها على الإسهام والتعاون حسب الموهبة والطاقة.

برقية :
نعم قد لا تصدق ـ أخي القارئ ـ أن هذه البرامج قد نفذت بنجاح على طلبة المرحلة الابتدائية ، لكن : ما راءٍ كمن سمع .







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

عقبتان امام كثير من مدارسنا حتى تكون كتلك المدرسة



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات