من لغصون أخرى ؟
مقال المشرف
من لغصون أخرى ؟





لم تكن قضية مقتل "غصون" لتحفظ في السجلات الرسمية؛ بعد أن طبق في حق قاتليها حكم الشريعة الغراء دون أن تحفظ في نفس كل من قرأها واطلع على تفاصيلها، في ملف القضايا الساخنة، التي لا ينبغي أن تهدأ نارها، وقد ذهبت ضحية الجهل والعنف ثلاث نفوس مسلمة!!

لقد أثبتت الدراسات أن خبرات الطفولة مؤثرة تأثيرا جذريا في حياة الإنسان وسعادته في جميع فترات نموه، وأن الطفل الذي يعتدى عليه وعلى كرامته سيفقد أساس صحته النفسية، وتتولد لديه مشاعر الخوف من كل الآخرين، ولا سيما حينما يفقد الأمان في بيته، وممن يتوقع أنهما يكتنفانه بالرعاية والحب. بل إنه يصبح مستسلما لكل من يضغط عليه ويستغله، وقد ينقلب ذلك إلى التمرد والعدوانية، فيواجه بيئته الخاصة، وربما بيئته العامة، ويكون جاهزا لأية محاولة لتجييشه ضد مجتمعه، وقد يزداد لديه مركب الإحساس بالنقص، فيصنف نفسه أنه إنسان ضعيف، لا يستطيع أن يرد على أحد، أو أن تكون عنده القدرة على المبادأة، وقد يرث خبرة التعامل الفظ مع أولاده، أو تلاميذه، أو موظفيه إذا أصبح مديرا في المستقبل.

أي أن الاعتداء على حرية الطفل أو حتى المراهق، أو جسده، أو نفسه، يجعل من المحتمل تدمير نفسيته، وتوريث هذا السلوك لجيل قادم.
بل إن هذا يعني أننا نتحدث عن المستقبل كله؛ لأنه هؤلاء هم الذين سيصنعون المستقبل بإذن الله تعالى.

إن كثيرا من القضايا تطرح في مجتمعنا من الرأس وليس من الجذر، فنبقى نعالج الجرح في جسد قتيل.
ولذلك بات من الضروري جدا أن تدرس هذه القضية في بيوتنا، ونستمع إلى ضحاياها مباشرة دون وسائط، فإن عددا من الحوادث التي وصلتني تدل على أن عددا من إصابات الأطفال الخطيرة، والتي وصلت إلى المستشفيات، تم الضغط الشديد على الطفل وتهديده بألا يبوح بأن المتسبب هو الأب أو الأم أو حتى الخادمة؛ حتى تفلت الأسرة من المؤاخذة القانونية والشرعية.

بل إنني لا أنسى أبدا اتصال إحداهن وهي تروي السلوك اليومي لأحد الآباء مع ابنتيه، إحداهن لا تزال رضيعة، والأخرى عمرها خمس سنوات، وهو يسومهن سوء العذاب، بحجة تربيتهن، وحين تدافع الأم عن ابنتيها، يدفعها ويقول: دعيني أربيهن، فإن أبي كان يضربني حتى يخرج الدم من أنفي!!!

إن الأمر يحتاج ـ إذن ـ إلى فتح المجال أمام الأطفال للاتصال مباشرة؛ للإبلاغ عما يقع لهم داخل هذه البيوت المغلقة، والمغلفة بالخوف من سوء السمعة، والصبر على مضض.
فهل ستنجح التجربة الجديدة التي يعزم مركز التنمية الأسرية أن يخوضها بإذن الله تعالى؟ هل سيصل ـ مباشرة ـ إلى الأطفال والمراهقين والمراهقات الذين يعيشون ضغوطات شتى داخلية وخارجية؟
إن الطفل والمراهق يحتاج إلى من يستمع إليه فقط، حين يكون في بيت دكتاتوري، المتحدث الرسمي فيه واحد، والباقي عليهم أن ينصتوا وينفذوا وحسب.

إن الطفل والمراهق في حاجة إلى أن يستشيرا في بعض الأمور التي ربما يستحون أن يعرضوها على أهليهم ولو كانوا من أرحم الناس وأقربهم نفسا.
بل إنهما لفي حاجة إلى المساعدة في طريقة اختيار الصديق، وطريقة المذاكرة، وما قد يلم بهما من هم أو كمد أو حزن مبرر أو غير مبرر.
وحين نكون أكثر شفافية، ونتأمل موضوع التحرش الجنسي الذي قد يقع في شركه الأطفال وحتى بعض الفتيات ممن هم في المنزل أو في الخارج، فمن لهم يفزعون إليه ـ بعد الله تعالى ـ هل يمكن أن يشتكي طفل من عمه، أو أخ صغير من أخيه الكبير الشاذ، أو هل تشتكي فتاة من تحرش أبيها المدمن؟

أظن أنه آن الأوان لإطلاق هاتف خاص بمثل هذه الحالات الإيجابية والسلبية على السواء، يجيب عنها مختصون في العلوم النفسية والاجتماعية، أو ممن أهلوا لذلك من التخصصات الأخرى كما أعتقد وأقتنع.
من المتوقع أن تتفاوت ردود الأفعال حول هذا الهاتف، ولكن من تحسس الجدوى الإيجابية الرائعة من الهاتف الاستشاري القائم الآن منذ عدة سنوات، يعلم أنه ينبغي أن يفتح المجال أمام أطفالنا ومراهقينا أن يتواصلوا مع المختصين ليساعدوهم في حل مشكلاتهم، ويدربوهم على مهارات الحياة المختلفة.

إنه واجب شرعي، وواجب وطني شريف ينبغي أن يسهم فيه كل من يستطيعه.







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات