توظيف الأدب والفن .
مقال المشرف
توظيف الأدب والفن .




إن قضية توظيف الأدب والفن ليست قضية طارفة، بل هي قضية الإنسان منذ وعى تلك القدرات الهائلة المودعة في نفسه، فراح يعبر عن مكنوناته بالكلمة الأديبة، والريشة المبدعة، والصوت الرخيم، ثم بالعدسة والضوء والإلكترونات الدقيقة؛ على امتداد وجوده على البسيطة.

والعقيدة تمثل قطب الرحى للإنسان، عليها تدور حياته بكل ما فيها من أفكار وتصورات وسلوك وعلاقات؛ فمن الطبعي أن تكون أول ما تطبع أدبه، وتبرز في فنه.

يقول الدكتور عز الدين إسماعيل: "فلم تخل أعماله ـ يعني الفنان ـ في أي وقت من أن تكون كذلك تعبيرا عن عقيدة كائنا ما كانت هذه العقيدة".
وهو ما صنعه الرسول صلى الله عليه وسلم، حين جيش الشعراء فيلقا موازيا لفيالق الرماة والفرسان والمشاة، ورفع لحسان رضي الله عنه منبرا في مسجده.

وقضية توظيف الأدب والفن في التعريف بالإسلام، تنشأ في مساحة قرآنية واسعة، فالله تعالى يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء 107]، فالرسالة الإسلامية عالمية، وما ينبثق من المسلم الأديب والفنان يجب أن يكون وفق التصور الإسلامي العالمي، الذي يجعل كل إنسان على وجه الأرض مقصوده في فنه.
ومن هنا كان للإعمال الإنسانية انتشار وخلود، تقصر عنه الأعمال الإقليمية، المحدودة بوطن أو لغة أو عادات.
ويشير الدكتور عبد الكريم بكار إلى أن العملية الإبداعية تنطوي "على عمليتين مهمتين؛ هما: عملية الهدم للأفعال والمعتقدات الخاطئة التي تتحكم بالفرد، وعملية البناء حيث يقوم المبدع بتشييد الجديد على أنقاض القديم، وكلتا العمليتين تحتاج إلى المعرفة الممتازة، القائمة على الكد المستمر في اكتساب العلم".

أقول: والخبرة في ميدان الأدب والفن لا تقل عن العلم، فإن المهارات والملكات هبات من الله، تظل في حاجة دائمة للصقل والتنمية والتطوير، بحسب ما يجد حولها من إمكانات، ومجالات عمل.
وفي العصر الحديث أصبح الأدب والفن رفيقي درب واحد، فمعظم الأعمال الفنية ربيبة الأدب؛ كالسينما، والمسرح، والغناء، والفنون التشكيلية، ونحوها.

وهذه الفنون والآداب هي التي توجه العالم اليوم؛ وتغير من أنماط حياته، بتأثير بطئ، ولكنه قوي المفعول، ثابت الأثر.
ولعل الجيل المسلم القائم، شاهد على هذا الأمر عيانا من خلال تغير أنماط العلاقات الإنسانية، والعادات والتقاليد الاجتماعية، خلال القرن المنصرم، بتأثير واضح ومباشر للشاشة التلفازية قبل الفضائية، من عربية أو غربية.
والصورة الواحدة أكثر تأثيرا من ألف كلمة كما يقال، فبينما الصورة المتحركة المضادة لتعاليم الإسلام تتسلل إلى جذور المفاهيم والقيم، بل إلى أصول المعتقدات والعلاقة اليومية بالعبادات، كان في الخط الموازي عمل دائب للدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام في دياره، وبطئ ضعيف على المستوى العالمي، وكلا العملين اكتفى إلى ما قبل نحو عشر سنوات تقريبا، بالوسائط التقليدية العادية، وكلاهما أنتج، ولكن الإنجازات دون المستوى المطلوب والمتوقع، في زمن تعمل فيه القوى التنصيرية، والدعوات المضللة بإمكانات مضادة، وفي الوقت نفسه قوية وواسعة.

لقد أصبحت مهمة التعريف بالإسلام وحضارته واجبا شرعيا على القادرين عليها، كل في تخصصه، سيما ونحن نواجه اليوم اعتداءات متواصلة على رموز الإسلام الكبرى؛ كتاب الله عز وجل، والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، والشريعة السمحاء.
وتقف هذه المحاولات المقصودة والمدروسة عوائق كبرى أمام انتشار الإسلام في المعمورة، بل وتجيش ضمن الحروب الباردة التي تثار هنا وهناك من أجل تبرير الاعتداءات العسكرية على العالم الإسلامي.
وتستخدم في هذه الاعتداءات وسائل عصرية جبارة، تجاوزت العادي والمألوف، تبدأ من فن الكاريكاتير الساخر، وتنتهي إلى أفلام سينمائية مذهلة الأداء، وتمر بعدد من الأعمال الأدبية الروائية والشعرية، والصحفية، والحاسوبية، تصب كلها في بحر آسن، يموج بالحقد على الإسلام وأهله، ويشوه وجه الحضارة الإسلامية النضير في عيون جاهليها من غير المسلمين، بل حتى من بعض المسلمين أنفسهم.

وفي المقابل لا نجد سوى أعمال فنية فردية محدودة الانتشار والجاذبية، وفرق كبير بين تأثير الصورة المبهرة، والصوت الأخاذ، والشاشة الثلاثية الأبعاد، التي أصبحت في الجيوب، وفي السيارات، وفي الخلوات والجلوات، وبين تأثير الخطباء الذين جلهم ليسوا مؤهلين لعملية التأثير والتغيير، ولا يمتلك كثير منهم أدوات الخطابة، ومهارات الإلقاء، فضلا عن قيامهم بأعمال فنية تصل إلى جودة تلك الأعمال المضادة.

من هنا كان لا بد من إعادة النظر إلى الوضع الحالي للدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام؛ لتقويم الموجود، واستثارة الهمم للحاق بمركبات التقنية العالية التي حلقت بالأداء الإعلامي في أفلاك لا تطاولها تلك الأعمال الارتجالية مهما كانت مخلصة.







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات