أطفالنا وملكة التفكير .
مقال المشرف
أطفالنا وملكة التفكير .








دون هدف للتربية لن نستطيع أن نصل إلى شيء، والشكاوى المتصاعدة من الأمهات والآباء حين يكتشفون فشلا جديدا يقترفه الولد ذكرا كان أم أنثى، لن تعالجه الآهات، والتنهدات، ولا السباب والشتائم، وإعلان خيبة الأمل.

إن المشكلة أعمق من أن نرى آثارها الأخيرة، ثم نحكم على الولد مباشرة بأنه عاق، فاشل، قليل الأدب، لا يستحي، ولا يرعوي، عنيد، إلى آخر (مكنزيمات) الدفاع التبريرية لما اقترفه الآباء والأمهات من إهمال شبه متعمد، أو جهل في أسلوب التربية المتراوح بين الضغط والقسوة من جانب، والضعف والرخاوة من جانب آخر، مرورا بالحماية الزائدة، والتدليل، وكلها أساليب خاطئة، تجر الولد إلى النتيجة الفاشلة جرا. أو على الأقل إلى النجاح الباهت.
أما الإبداع، والتألق، والمنافسات الشريفة في تحقيق الأولية في الحياة، المبنية على روح المبادرة والثقة في النفس، فتلك نتيجة التربية المبدعة، الحازمة في حب.

إن الطفل يولد موهوبا بملكة التفكير، وتبقى كامنة حتى تجد البيئة القادرة على استثارتها وتحريكها وتنميتها، تلك البيئة الفاعلة، التي تحترم الطفل، وتقدر محاولات الاستكشاف التي يرتادها، دون تعنيف على كسر تحفة، أو ضرب على فك لعبة، بل تصنع من هذا الحدث فرصة لتعليمه مهارة جديدة، وإضافة إلى فهمه قانونا جديدا في الحياة.
إنها تجيب عن أسئلته واحدا واحدا؛ دون تذمر أو مراوغة أو تأجيل مستمر، فضلا عن السخرية والتسفيه، وقد مدح حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه "فتى الكهول، له لسان سؤول وقلب عقول".

إنها البيئة التي تضع بين يديه كل الأدوات والألعاب التي تنشط حواسه الخمس، وتجعلها تشتعل حماسة وهي تخترق جدر هذا العالم المليء بالجديد أمام عيني الطفل.
وجاءت التقنيات الحديثة، فأصبحت ـ ككثير من أمور الحياة المستجدة ـ كالمشرط؛ إذا وقع في كف طبيب اجتث به داء، وأصلح به شريانا، وإذا وقع في كفي معتوه، قتل به بريئا أو جرح به نفسه.

التقنيات الحديثة ووسائل التكنولوجيا يمكن أن تسهم إسهاما فاعلا في تطوير ملكة التفكير لدى الطفل؛ حين توضع بين يديه، يديرها هو، ولا تديره هي، حين نختارها بعناية فائقة؛ نظرا لحساسية المرحلة العمرية التي يعيشها، فهو مقلد حساس يلتقط دون انتقاء، يخلط بين الواقع والخيال، كما أن أعصابه في غاية الرقة والتأثر بما حولها، ولذا فإنه كثيرا ما يرهق مخه بما لا طائل تحته، من خلال بعض الألعاب الإلكترونية السخيفة، التي تستخف عقله، وتهزأ بمخه، وتخاطب فيه الهابط من ملكاته، من حب للتسلية والمرح.

إن الطفل قليل الإمكانات (وليس معدومها) كثيرا ما يحظى بفرص للتفكير والإبداع أكثر من الطفل المرفه؛ نظرا لأنه يقوم بنفسه بصناعة ألعابه، ويبتكرها بدلا من أن يشتريها، وتعيش حواسه في أمان من سلطة الإشعاعات، وبريق الألوان، وضغط التوتر الشديد الذي يلقاه الطفل الغارق في البيئة التكنولوجية المحضة، الذي لا يدري ما يأخذ وما يذر، ولا يبقى له وقت ليبدع؛ إلا إذا جعلنا التكنولوجيا تخدمه في هذا الإطار من خلال تدريبه على تعلم اللغات من خلالها، أو ممارسة الإبداع التصميمي، أو كتابة ما يحتاجه خلال تعلمه، أو برمجة، أو دبلجة، أو إحداث تغيير في الأفلام والصور التي بين يديه على شاشات الآلات المختلفة، كل ذلك تحت رعاية وكشف كامل أمام الوالدين أو من يقوم مقامهما في المنزل أو المدرسة؛ حتى لا تجره التكنولوجيا إلى مهاتراتها السيئة.

لقد شن تحالف من منظمات أهلية ودينية وتعليمية أمريكية هجوما على السينما الأمريكية متهمين إياها أنها تروج لأفلام أطفال تحتوي على مشاهد وإيحاءات جنسية تضر بأطفالهم، كما أنها تعمل على ترويج إعلانات تعلم أولادهم ثقافة الجشع والتصرفات الاستهلاكية من الصغر.

وأخيرا : رب طفل طفرت به التكنولوجيا في مجال التفكير فأصبح من علماء الدنيا وعظماء الأرض، ورب طفل آخر وضعته في مزابلها؛ مع الاعتذار لبصر القارئ وخياله الكريم.







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

نحتاج
التربية المبدعة



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات