كان من ذوي الاحتياجات الخاصة.
مقال المشرف
كان من ذوي الاحتياجات الخاصة.





من مسلمات المسلم في الحياة.. أن العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وأما من اكتسى بالحزم، ودافع الكسل، ونسي فكرة الاستسلام، فإنه ـ عندي ـ مكين أمين، قوي رائد، مهما كان مصنفا عند الناس من ذوي الاحتياجات الخاصة!!

لن أستحضر التاريخ ... فقد رأيت بعيني:
مكفوفين أكثر إبصارا من مشروعي الأعين بلا بصيرة.. علماء وقراء ومؤرخين وشعراء وبلغاء وإذاعيين، ومخترعين...
مقعدين، يعجزون عن النهوض من كراسيهم، وتنهض بهم أمة كاملة من قعدتها.
متوحدين يبهرون الأعين والأنفس بروعة رسومهم وإبداعاتهم، وذاكرتهم الحديدية التي تتحدى الحواسيب الآلية.
مشلولين توجهوا إلى ميدان الحياة بكراسيهم المتحركة فتصدروا قوائم الناجحين.
بكما وصما وأخلاقهم أرقى وأعلى من المنطق والمناطيق.
كسيحين، يحفظون كتاب الله تعالى كأنهم يقرؤونه في المصحف، وحين دخلوا ميادين التقنيات الحديثة أبدعوا فيها.
مبتلين بأمراض مزمنة؛ تذكرهم بالموت في كل لحظة، فأصبحوا يسابقون الزمن ليصنعوا شيئا قبل أن يرحلوا من هذه الأرض.

أعرف شابا مبتلى بإعاقات جسدية، بت أعده رمزا من رموز حياتي.. تأهل علميا بما استطاع، ثم انطلق في ميدان الحياة طالبا لوظيفة مناسبة له، رده هذا وقبله ذاك، ولكنه كان يعاني ـ بحساسية عالية ـ ممن يشفق عليه، ممن يقلل من شأنه، ممن يقول أمامه: لا تتعب نفسك، نحن نقوم لك بما تريد، حتى المسئولين في وظيفته شاركوا في إحالته إلى التقاعد المبكر جدا!! وهو يداوم كل يوم، نعم .. إنه لم يكن قد تقاعد نظاما، ولكنه وضع في ظرف نفسي يومي جعله ينظر إلى نفسه نظرة دونية؛ لا بسبب ناشئ في داخله، ولكن بسبب نظرات الآخرين له، هنا تمرد المارد في داخله، وانطلق من القمقم، ورفض الاستمرار في وظيفة تقتله ببطء، وتوجه إلى إدارة أخرى، ليحيله كل قسم إلى الآخر، وكانوا فيه من الزاهدين، ولكن فطنة أحد كبار المسؤولين التفتت إليه باحتراف وفراسة عالية، وطلب أن يكون معه، فعمل على تكسير الطبقة التي رانت على محياه، بدأ يعي بأن في داخله عالما من الحياة الطليقة، التي لا تحد منها حالة الضعف الخلقية التي تسكن جسده، سافر في مسارات همته العالية، اكتشف حدائقها، تدفقت تحت رجليه أنهارها، رفرفت على صدره ورودها، داعبت شعره أنامل أشجارها، وعاد من رحلته تلك، وهو ينظر إلى نفسه نظرة جديدة، إنه الشاب الطموح، المكتمل النضج، القادر على إثبات وجوده بجدارة؛ ليكون خيرا من الأسوياء خلقة، المعاقة نفوسهم، المتراجعين عن كل ميدان بأعذار هي أوهى من بيت العنكبوت.

لقد تفجرت طاقته، عرف نفسه، وعرف ميدانه، وأطلق فيه عنان فرسه، فسبق، لم يعد يرى سوى النجاح يركض أمامه، أًصبح الذين زهدوا فيه بالأمس يتمنون صحبته اليوم، أصبحوا يقولون: وي كأن الله يمن على من يشاء من عباده.
لقد راجع حياته الأسرية فأصلح منها؛ أعاد الابتسامة الصافية الرقراقة على شفتي زوجته وأولاده، بعد أن كان قد يئس من ذلك، بل كان كثيرا ما يغضب، ويتوتر؛ فأصبح متفائلا فاعلا، ذا علاقات رائعة، لقد عاش ـ بعد ذلك ـ حياة أكثر سعادة وإيجابية وإنجازا.

كل منا ـ بني آدم ـ فيه نقص ما، وربما كان النقص الجسدي الذي هو الأكثر ظهورا للعيون، هو الأقل شأنا، قياسا للنقص النفسي الخفي، الذي لا تدركه الأبصار، بينما هو الأكثر خطورة وشدة ونقصا، إنه الداء الذي يؤدي ـ حقا ـ إلى الفشل الذريع، وسوء التخطيط، والشلل .. نعم الشلل الذي يجعل العيون الغزالية لا ترى النور وهو يرقص بين عينيها، الذي يجعل الأيدي عاجزة عن صناعة أي شيء لنفسها، وهو في مقدورها، أولئك هم الذين يستحقون الشفقة والرحمة، ومن يستحقون منا رعاية خاصة حتى لا يضيعوا حياتهم بين العجز والكسل والتسويف، ولعل النماذج العليا من الذين تساموا وراء محنتهم الجسدية، وأثبتوا نجاحاتهم في مختلف التخصصات والأعمال، هم القادرون على أن ينقذوا هؤلاء من الوهن، وهو أسوأ ما يصيب الإنسان من العاهات المستديمة؛ لأنه يعطل الحواس، ويقمع التطلعات، ويتراجع به الإنسان حتى عن كرامته الآدمية؛ وهو الذي جهزه الله بكل الوسائل والإمكانات التي تجعل منه صانعا للتاريخ، مغيرا للحياة، عمارا للأرض.. والله المستعان.







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات