نحن والآخر .
مقال المشرف
نحن والآخر .








المرحلة الراهنة تتطلب مزيدا من التماسك الوطني، والتسامي على الخلافات الشخصية، والهروب من ضوضاء المجادلات العقيمة التي تحدث بين الرؤى المختلفة في داخل الوطن الواحد، والتي لا تنبت إلا شوكا وزقوما. ولكن لا بد من الحوار بين كل الأطياف الوطنية؛ من أجل تحقيق أمرين: ردم الخنادق بين ما يمكن التوصل فيه إلى تقارب وجهات النظر، أو الاتفاق عليه بين المختلفين، والآخر: فرصة الكشف والتوضيح عن وجهة النظر التي يؤمن بها كل طيف، والتي ربما يتناولها الطرف الآخر بتشنج حينما يكون تناولها فرديا، ولا يجد الفرصة للدفاع عنها بحرية وهدوء، واستماع لمناقشة الطرف الآخر.

ولكن ليس معنى ذلك أن نروج لعبارة (ترسيخ ثقافة القبول بالآخر)؛ هكذا على إطلاقها؛ فهي في نظري عبارة متجنية حينما أضعها نتيجة للحوار قبل أن يتم، وهي ـ أيضا ـ عبارة غير دقيقة شرعا وعرفا، فليس صحيحا أبدا أن نسعى لقبول ثقافة الآخر بكل ما فيها؛ لأن هذا الآخر له ثقافته الخاصة به، المنطلقة من عقيدته وموروثه ومجتمعه، بل هناك ثقافات صليبية ويهودية ووثنية ، فهل أقبلها كما هي؟

إذا كانت فرنسا وبريطانيا رفضتا عولمة الأمركة رسميا في نواح كثيرة من الحياة، وربما غيرهما كثير، وهم جميعا من ثقافة دينية واحدة، فهل يعقل أن نعمم النظرة فنقبل كل ما يأتي من الآخر والذي تتضمنه هذه العبارة الفضفاضة؟

إننا ـ حقا ـ في حاجة ماسة إلى جزء كبير من ثقافة الآخر/المتقدم ماديا؛ لأنها عصرية، ومتجددة، ومتقدمة، و(نحن) في طور النماء، ولكن ما أقبله من الآخر هو الذي لا يتعارض مع شريعتنا الإلهية، التي لم تنزل لعصر واحد، وإنما أنزلت لتحكم جميع العصور بلا استثناء.
نعم .. يجب أن نتعلم: كيف نتعامل مع ثقافة الطرف الآخر ونستثمرها، ونتعايش معها لنستلهم أفضل ما فيها بسلمية إنسانية مطلقة، ما دام لم يتحول إلى عدو محارب، لا أن نقبلها كما هي .

يجب أن نعرف أن الآخر وضع في أول أولياته مواجهة ثقافتنا (ونحن بالنسبة له: آخر)، من خلال تدجين مفاهيمنا لديننا، وفصله عن الحياة، ومن خلال السماح بالاعتداء على رموزنا الشرعية، ومن خلال خلط أوراقنا؛ بحيث لم يميز بين من تعامل معه بود وصداقة، وبين من رفع السلاح في وجهه.

التعامل مع ثقافة الآخر قضية هائلة ، لا يمكن التساهل في التعبير عنها بعبارات مقتضبة، بل يجب التفصيل والتوضيح والبيان، ففرق بين أن أقبل بوجود ثقافة أخرى على أرض وطني يمثلها تيار ما؛ فأتحاور معها لأصل معها إلى تقارب، أو حتى إلى تعايش، من أجل تحقيق بعد آخر، وهو الأمن والاستقرار وبناء الوطن بناء لا خلل فيه. وبين أن تكون الثقافة من خارج ثقافة ديني ولغتي، وهي تتعامل معي بطريقة متعالية، تريد مني أن أنضوي تحت ردائها مرغما، هنا لا بد أن أتحاور مع تلك الثقافة بكل حرية ودراية وموضوعية؛ فأقبل منها ما يتوافق مع منهجي، وأرد ما لا يتوافق، ولا أقبل الدنية في ديني، ولا أسمح لها أن تخترق علي حياتي.

إن ما أخشاه هو الخلط الذريع بين الدعوة الوسطية إلى سعة الأفق في التعامل مع الآخر، والاستفادة من كل الثقافات، وعدم محاربة من لم يحاربك، وبين الدعوة إلى التهاون في الثوابت، ومنح الآخر فرصة اختراق ثقافتنا، والتأثير على أجيالنا تأثيرا سلبيا بعيد النظرة من قبله.
هذه القضية من الخطورة بمكان بحيث لا تجوز فيها المجاملات، ولا التسابق لإرضاء ذوق طيف من الأطياف بنية التقارب معه على حساب مستقبل الدين وأمن الوطن والشخصية الاعتبارية لبلادنا العزيزة.
إن شعوب الأرض العزيزة لا تقبل أن تكون تبعا لأحد، ولكنها في الوقت نفسه تتحاور مع الثقافات الأخرى لتستفيد منها، وتتلاقح لتنجب مزيدا من الجديد الذي لا يؤثر على هويتها، ولكنه يسعى بها نحو التقدم الحضاري والمادي.

وإذا آمنا بضرورة الالتقاء بالآخر ـ أيا كان ـ على مائدة الحوار؛ لتخفيف حدة التوتر بيننا وبينه إذا كانت متوترة، أو لتقريب المسافات الثقافية بيننا وبينه إذا كنا نتفق معه في أصل الثقافة والهوية، ولطمأنته على حسن العلاقات بيننا وبينه أيا كان اتجاهه، فإن أجيالنا اليوم في حاجة إلى عدة أمور لإعدادها لذلك:

أولا: توجيه الناشئة من خلال برامج النشاط إلى أدب الخلاف، بعقد مناظرات وندوات وحفلات تؤكد هذا المعنى.
ثانيا: منح الناشئة فرصة الحديث ـ بحرية مطلقة ـ ومناقشة أساتذتهم فيما يطرأ عليهم من مشاعر محتدمة تجاه الآخر.
ثالثا: عرض صور من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الآخر، سواء أكانوا عربا مشركين أم يهودا أم منافقين، أم غير ذلك.
رابعا: يجب ألا يغيب في تربية النشء معنى الدفاع عن الوطن ضد الآخر في حال اعتدائه، مهما بالغنا في ضرورة تربيته على الحوار معه.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات