التفتي إلى النماذج .
مقال المشرف
التفتي إلى النماذج .





إذا كان شارلز.إتش.فاولر يقول: " إن حياة الرجال العظام هي أفضل معلم لكل البشر "، فإنما يشير إلى منهجنا ـ نحن المسلمين ـ الذي يحدده الله جل وعلا بقوله: ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) ( الممتحنة : 6 ).

ويدل حديث القصعة ( ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) ـ كما يقول بعضهم ـ على أن مشكلة الأمة في آخر الزمان هي مشكلة نماذج رفيعة لا مشكلة أعداد وفيرة، فهل آن الأوان لانصراف اهتمامنا إلى الكيف عوضا عن الافتتان بالكم؟
أيتها الأم العظيمة.. يا أم العظماء.. اقرئي بكل وعيك هذه الحادثة من خباء بدوية من عصور خلت، كيف ربت ابنها، وكيف تتعامل معه.

قال الفضل بن يزيد: ((نزل علينا بنو ثعلبة في بعض السنين، وكنت مشغوفا بأخبار العرب، أحب أن أسمعها وأجمعها، بينما أنا أدور في بعض أحيائهم، إذا بامرأة واقفة في فناء خبائها، وهي آخذة بيد الغلام، فما رأيت مثله في حسنه وجماله، وهي تعاتبه بلسان رطب، وكلام عذب تحن إليه الأسماع، وترتاح إليه القلوب، وأكثر ما أسمع منها: أي بني، وهو يبتسم في وجهها، قد غلب عليه الحياء والخجل، لا يرد جوابا، فاستحسنت ما رأيت، واستحليت ما سمعت، ثم دنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام، فوقفت أنظر إليهما، فقالت: يا حضري، ما حاجتك؟ فقلت: الاستكثار مما أسمع، والسرور بما أرى من هذا الغلام، فقالت: يا حضري، إن شئت سقت إليك من خبري ما هو أحسن مما شاهدت من خبره، وأحسن مما شاهد من أدبه، فقلت: قد شئت، يرحمك الله، فقالت: حملته والرزق عسر، والعيش نكد، حملا خفيفا، حتى إذا مضت له تسعة أشهر ولدته، فوربك، ما هو إلا أن صار ثالث أبويه، حتى أفضل الله عز وجل وأعطى، وإني من الرزق بما كفى وأغنى، ثم أرضعته حولين كاملين، فلما استتم الرضاع نقلته من خرق المهد إلى فراش أبيه، فنشأ كأنه شبل أسد، أقيه برد الشتاء، وحر الهجير، حتى إذا مضت له خمس سنين، أسلمته إلى المؤدب، فحفظه القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخرة قومه وآبائه وأجداده، فلما أن بلغ الحلم، واشتد عظمه، وكمل خلقه، حملته في عتاق الخيل، فتفرس وتمرس، ولبس السلاح، ومشى بين بويتات الحي الخيلاء، فأخذ في قرى الضيف، وإطعام الطعام، وأنا عليه وجلة، أشفق عليه من العيون أن تصيبه. فكان فارس قومه المغوار، الذي تحمى به الذمار)).

أختاه.. قدري ابنك أو بنتك كثيرا وأنت ترسمين له لوحة المستقبل الجميل، بل احلمي بقدر الحب الذي تكنينه له، ووسعي حلمك كثيرا؛ فهو جدير بذلك، ولربما تقر عينك به قريبا وقد أصبح من عداد فرسان العلم الذين يشار إليهم بالبنان؛ قال سفيان بين عيينة: " لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، اختلفت إلى علماء الأمصار، مثل الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. ثم تبسم ابن عيينة وضحك " .

فانظر كيف كانوا يحثونهم على طلب العلم وهم في مثل هذه السن الصغيرة وكيف كانوا يدفعونهم إلى حضور مجالس العلماء الكبار. فأين نحن اليوم من هؤلاء، وأين يقضي أطفالنا أوقاتهم، وكم نصيب الكتاب من حياتهم، وكم نصيب ?لبلاي ستيشن وشاشات النت والكارتون ( الفارغ أو العنيف ) من حياتهم؟!!

إن ميول الإنسان ومعالم شخصيته ربما تتضح في وقت مبكر من حياته، وهذه الميول تتنامى لتكوّن القالب الذي يميّز الفرد عن غيره، ودورك أنت وأبيه أن تكتشفا هذه الخصائص، وتبذلا ـ بسخاء ـ في تنميتها، وتشجيعها؛ حتى تبلغ منتهاها. كل ذلك ضمن تربية متوازنة لا تدع جانبا من جوانب شخصيته إلا تقدمين له ما يشبعه.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات