الإنفاق في وجوه الخير .. بين الجمود والتجديد .
مقال المشرف
الإنفاق في وجوه الخير .. بين الجمود والتجديد .







من خلال اطلاع مباشر على مسارات المنفقين في وجوه الخير عبر المؤسسات الخيرية، لحظت أن المشروعات الجديدة لا تحظى بالتفاتهم، مع أن بعضهم يحمل وعيا اقتصاديا كبيرا، حقق من خلاله تفوقا بارزا في المجال التجاري الذي يرتاده، والذي ناله كثير من التطوير والتجديد، بل والطفرة في هذا المجال. مما يعطي دلالة واضحة على قدرته الذاتية، على التفكير الحر، وشجاعته في ارتياد مناطق جديدة في الميادين التي اقتحمها.

ولكن حين نعود معه إلى الميادين التي ينفق فيها مبتغيا وجه الله تعالى، نجده يختار الميادين المعتادة، والتي ـ بلا شك ـ هي من فضائل الأعمال؛ كبناء المساجد، وكفالة الأيتام، وإطعام الفقراء وكسوتهم، وبناء مساكن لهم، وعلى هذا نصوص عظيمة صحيحة من الكتاب والسنة، تصل بصاحبها إلى بناء بيت في الجنة، ومرافقة الحبيب صلى الله عليه وسلم فيها، والتخفيف من هول المحشر، وغيرها من الفضائل العظيمة، وهذه مما كثرت في المجتمع حتى زاد عدد المساجد عن حاجة الأحياء فتزاحمت، ولم يبق يتيم لم يكفل..

ولكن الوعي الجديد الذي ألفت نظر الأثرياء إليه يتركز في أن المعروف لا يقتصر على ما ذكر؟ ولنا أن نتساءل: ماذا عن وعي الأسر المستفيدة بالحياة؟ لماذا يستمر الفقر فيها لعدة عقود؟ هل هي مترابطة أم متفككة؟ لماذا تفرخ في بعضها الجريمة؟ لماذا يكثر في أولادها الهروب من الدراسة أو الضعف الدراسي بشكل عام؟ لماذا تتوارث البطالة؟ على ماذا تبني علاقاتها بين أفرادها؟ ما نصيب الحب الأسري فيها؟ وهل نحل مشكلة الأسرة المستفيدة إذا أكلت وشربت ولبست وسكنت فقط؟

لا .. أبدا .. لا ..
هذه آلاف الأسر الغنية اليوم تعيش مآسي من العيش وهي تلبس وتسكن وتأكل وتشرب، لأن الحياة ليس هذه الضرورات وحسب!!!
الحياة أوسع أفقا من ذلك!!

إن هذه الأسر بل وكل الأسر بلا استثناء محتاجة أشد الحاجة إلى السكينة والاطمئنان، إلى الحب الذي يظلل حياتها، وتعيش بين أحضانه، إلى الترابط الذي يؤلف بين قلوبها، إلى أدلاء على الخير، يقولون لهم: إن الحياة جميلة، والمشكلة هي في العيون التي لا تقع إلا على القبح، إلى من يأخذ بأيديها إلى بر الأمان حين تتيه في دروب الشك والغيرة المرضية، إلى من يدلها على مواطن السعادة التي جهلتها بسبب ركضها بعيدا عن مدينة الأمان، إلى من يجلس بين طرفيها المتشاحنين ليوفق بين الآراء ويعيد الطفل إلى حضن أمه، ويبني الجسور بين الحبيبين اللذين ضرب بينهما الشيطان بسور ليس له باب، إلى من يقف الساعات الطوال ليدرب أفرادها على التفوه بكلمة: أحبك، إلى من يحملق في شاشة النت ليفرج كربة، وينفس هما، إلى من يحمي أعراض الفتيات اللاتي تعرضن لحرمان عاطفي في بيوتهن، وإغراء شديد من ثعالب الطريق، إلى من يصلح المرأة لزوجها، ويصلح الرجل لزوجته، حتى يذهل كل منهما من التغير الذي حدث، ويظل الوسيط غائبا عن الساحة يرجو الأجر من ربه تعالى، إلى من يقتحم الجموع في المساجد والمدارس ليربي الولد على بر والده فلا يعقه، ويحنن الوالد على ابنه فلا يضربه وإنما يربيه، ويجعل للعبادة مفهوما أعم، كما هو المفهوم الصحيح لها في شرع الله.

والله هو الأعلم هل تلك الأعمال التي اعتاد الناس الإسهام فيها أفضل أم هذه الأعمال التي تتبناها مؤسسات اجتماعية، ومراكز أسرية خيرية؟!

وها هي ذي وتلك يصطفان في طابور واحد في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا. ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل ) [صححه العلامة الألباني].






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات