ولاية التأديب الخاصة .
مقال المشرف
ولاية التأديب الخاصة .




لا تزال مكتبات الجامعات المركزية مثقلة بآلاف الرسائل الجامعية المتميزة، والتي بذلت فيها جهود جبارة، من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية، جاء بعضها تحقيقا لمخطوطات تراثية ثمينة، ولكن التحقيق أصبح مخطوطة أخرى، والبحوث الوليدة أصبحت أيضا مخطوطات وتكدست إلى جوار أمهاتها.

إن هذه البحوث تمتاز بأنها كتبت في أعلى مستويات التحفز لدى كاتبيها، وتحت إشراف مباشر من أستاذ مختص، ثم تلقتها لجان علمية لتحكم عليها، وربما عدلت مرارا؛ حتى تغدو مصدرا في فنها، وبعد كل هذا تنام على الرفوف إلا قليلا جدا.

إنها إشكالية كبرى تحتاج إلى تضافر الجهود من وزارات التعليم العالي في الدول العربية والإسلامية بل والعالم أجمع، لتوضع لها ميزانيات ضخمة، ولجان مختصة، ثم تطبع وتتبادل بين الجامعات العالمية؛ حتى لا تنأى هذه الثروة عن أيدي الباحثين، بل عن يد الحضارة المعاصرة، فلا يستفاد منها، وربما كررت الجهود العلمية، التي كان يمكن أن توفر في بحوث أخرى، أو تطويرها لتسهم في إعمار الحياة بشكل أفضل.

بين يدي ـ الآن ـ مثال حي لواحدة من الرسائل القيمة، رقمتها يد عاشق للكتاب، محب للعلم حتى الشغاف، عكف على قضية تحدث فيها النفسيون والاجتماعيون والتربويون، ولكن التأصيل الشرعي كان غائبا عنها إلا من بحوث محدودة، أذكر منها مسؤولية الأب المسلم للدكتور عدنان با حارث (مطبوع)، وكتاب في ولاية الأب والزوج للدكتور صلاح المبارك، لا يزال رهن الرفوف مخطوطا حتى كتابة هذه الأسطر.

هذا الكتاب الذي أقدمه اليوم هو ولاية التأديب الخاصة في الفقه الإسلامي للشيخ الحافظ الدكتور إيراهيم بن صالح التنم، عضو هيئة التدريس في قسم الشريعة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، والباحث الشرعي في موقع المستشار العالمي.

والقضية من القضايا الشائكة في عاملنا اليوم، ولا تزال متنازعا عليها، فهناك من يطالب برفع الوصاية عن الأولاد تماما، وأن الأب ليس من حقه أن يؤدب الولد (ذكرا كان أم أنثى) إلا باللفظ فقط، وبشروط حذرة، وأن من حق الولد أن يرفع شكوى على الأب حين يتعرض له بالضرب والإهانة النفسية.

وعلى الرغم من كوني أحمل رسالة تربوية تنادي بأن ننأى ـ تماما ـ عن الضرب، وأنه من الممكن أن نصل إلى نتائج متميزة في التربية دون أن نمس جسد الطفل إلا بالتربيت عليه ومسحه حنانا ورحمة وحبا، ولا سيما وهو لم يبلغ العاشرة من عمره. ولكني مؤمن ـ كذلك ـ بأن الضرب وسيلة تأديب يمكن اللجوء إليها في حدود يسيرة جدا بعد هذا العمر حتى الخامسة عشر من عمره، وبقصد التأديب وليس العقاب أو الانتقام.

والكتاب أكبر من هذه القضية المحدودة، فهو يعني بالولاية: سلطة شرعية للولي في إدارة شأن من له الولاية عليهم، وأسقط هذا التعريف على ولاية الأب أو من يقوم مقامه على الولد، والزوج على الزوجة، والمعلم على تلاميذه.

لقد رفض الكاتب مصطلح (سلطة) لأجل الانسجام بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظ (الولاية) حيث إنه يشمل معاني التدبير والرعاية والإرشاد والتوجيه، وقد دأب الفقهاء المسلمون على استخدامه بدلا من لفظ السلطة؛ لنفورهم مما ينطوي عليه من إيحاء بالتسلط؛ لأن النظام الإسلامي يأبى التسلط بكل معانيه، فالأشبه بروح الإسلام هو اصطلاح الولاية، لما فيها من معاني الرعاية والاهتمام والتوجيه.

الكتاب تناول قضايا تربوية في غاية الأهمية والحساسية، وقد أصغى المؤلف بشفافية عالية إلى الفقهاء من جميع المذاهب الفقهية المعتبرة، واستشار أكثر من أربعمائة وستين مصدرا ومرجعا، وفرع المسائل تفريع عالم وفقيه مبدع، وأظن أن كل تربوي، بل كل أب وكل زوج وزوجة أيضا يحتاج أن يرجع إلى هذا السفر الرائع.

إننا في حاجة ماسة أن نتعرف ما لنا وما علينا، حقوقنا وواجباتنا، في وظائفنا وفي أسرنا؛ حتى نكتف أذرع الشيطان عن أن يفرق جمعنا، ويوهن بناءنا، ولا شك أن العلم هو الوسيلة الأهم للوصول إلى الحقيقة، ولا سيما إذا صدر من مختص، وكان العمل ثمرة استقصاء وبحث بقدر هذا الجهد المبذول في هذا العمل الكبير.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

لماذا لاترفع هذه الرسائل للفائدة
مجرد فكره



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات