تذكر ختام العمر بختام الشهر .
مقال المشرف
تذكر ختام العمر بختام الشهر .





ها نحن في ختام هذا الشهر المبارك ، نقف على حافة الوداع ، لنستودع الله تعالى ما وفقنا لعمله من الصالحات ، ونحن نرجوه ـ عز وجل ـ أن يستر عيوبنا ، ويجبر تقصيرنا ، ويتجاوز عن خطايانا ، ويبارك في حسناتنا .

وإن في ختام هذا الشهر لعبرة للمعتبرين ، فكما ختم الشهر هذا اليوم أو غدا فسيختم العمر اليوم أو غدا ، وكما التفتنا إلى ما مر من أيامه نفرح بطاعاتنا ، ونستغفر الله من سيئاتنا ، فجدير بنا أن نتذكر بأن هذا هو ما يجب علينا أن نقوم به في سائر حياتنا، فنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب ، ونزن أعمالنا قبل أن توزن علينا .

وقد نبه الله تعالى إلى أهمية حسن الخاتمة ، حتى لا يغتر مغرور بعمله ؛ ثم يصدم بما لا وقت فيه لتوبة أو أوبة فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ، فإن العبد قد يكون مجتهدا في الطاعات ، مبتعدا عن المعاصي مدة طويلة من عمره ، وقبيل وفاته يقترف السيئات ، ويجرؤ على المعاصي ؛ مما يكون سببا في أن يختم له بخاتمة السوء ، قال صلى الله عليه وسلم : (( وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)).

وقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة خوفا شديدا ، قال سهل التستري : " خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة وعند كل حركة وهم الذين وصفهم اله تعالى { وقلوبهم وجلة } " . لكن ذلك لا يعني انقطاع الرجاء في عفو الله ، ولكن الخوف يغلب في حلال الرخاء ، والرجاء يغلب في حال الشدة . ولا سيما إذا قاربت الوفاة ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل )) . رواه مسلم برقم 2877 .

لكن بعض المسلمين ـ هداهم الله ـ اعتمدوا على سعة رحمة الله وعفوه ومغفرته ، فاسترسلوا في المعاصي ، ولم ينتهوا عن السيئات ، بل جعلوا علمهم بهذه الصفات من دواعي استمرائهم للمعصية ، ولا شك أن ذلك خطأ جسيم يقع فيه أهل الذنوب والمعاصي ، فيكثرون على ظهورهم أثقالا تنوء بها الرواسي . والله تعالى قال في محكم التنزيل : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم } ، قال معروف الكرخي : رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق .

ومن أبرز أسباب سوء الخاتمة : التسويف في التوبة حتى يفاجأ بالأجل ، فيقول :{ رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } ، والثاني : طول الأمل، وهو حب الدنيا وتوقع الدوام فيها ، وإذا أحب العبد الدنيا آثرها على الآخرة ، واشتغل بزينتها وزخرفها وملذاتها عن زينة الجنة وزخرفها وملذاتها الخالدة . ومن قصر أمله بادر بالأعمال الصالحة قبل أن يدهمه الموت ، ومما يعين على ذلك تذكر الموت وزيارة القبور وعيادة المرضى وقد روي عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أكياس الناس فقال: (( أكثرهم للموت ذكرا ، وأشدهم استعدادا له ، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة )) رواه ابن ماجة ، وابن أبي الدنيا . وثالثها : حب المعصية والتشرب بها ؛ مما يجعلها ممتزجة بنفس صاحبها ؛ حتى تراه يردد ما يتعلق بها في آخر لحظات حياته بدلا من شهادة الحق ، وقد دل الواقع على ذلك بقصص مشهودة . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (( من مات على شيء بعث عليه )) رواه الحاكم وصححه .

ولكن عادة الكريم بمن يحبه ، ويطيعه طوال حياته أن يختم له بخير ، وهو ما يؤمله الصالحون في الله ، أن يجعل آخر كلامهم من الدنيا : لا إله إلا الله ، وأن يميتهم على طاعة يحبها غازيا أو محرما أو ساجدا أو ذاكرا أو متوضئا في الحديث : (( من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة )) رواه أحمد.

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم لقائك ، واجعلنا مع الذين ختم لهم رمضان برضوان ورحمتك ومغفرتك والعتق من النيران .






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

ماذا سأفعل
خطأ بآيه



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات